"أيلول" المعاصر ارتبط في كثير من الذاكرات بحدث سياسي –غالباً قاتم الإيحاء، من نوع المعارك والتفجيرات. وكعادته، يغتال الحدث اليومي الكثير من السمة التأملية الوادعة لموضوعاتنا، ومن ذلك تغييب الصلة الفلسفية بين "أيلول" وأطوار الحياة وتعاقب الفصول: المساحة الرمادية التي تهيئ الانتقالة بين الصيف الأبيض والشتاء الغامق؛ بين الشباب النشيط والشيخوخة الكسولة؛ بين الجفاف القاسي والمطر الرطب.. وهكذا. 
سأحاول اليوم –إن استطعت- الهروب من صلات ذلك الأيلول "السّياسي"، إلى أيلول أكثر إنسانية (راقني كثيراً في مسلسل تركيّ شخصية جميلة فيه، اسمها "أيلول"، وفكرت باقتراح تسمية حفيدتي، عندما تصبح لي حفيدة ويقبل أهلها: أيلول). عن شيء كهذا أفتش. لا أريد أن أستدعي ذاكرة الشهر التاريخية، وأفتش في أيامه عن ذكرى الفواجع.. وتروقني الآن، فحسب، مشاكسة أيلول "الطبيعي" الذي غسل بالأمس وما قبله شوارع المدينة بالمطر.
ثمة إعلان الخريف المتردد عن قدومه في أواخر أيلول: شروع المساءات بالإطباق المبكر على ذيول النهارات القصيرة الهاربة.. شراذم الغيوم الشاردة التي تنسلُّ عجلى على مرجة السماء الليلكية، وتنفَضُّ وتتراصف مثل خراف بيض هاربة من عصا الريح.. وثمة المطر المفاجئ الذي ينثال على حين غِرّة، ويسمّرنا خلف النوافذ الزجاجية لنشهد فضَّتَه كيف تسيل، ثم تُباغتنا جِدّةُ الأرض وخُضرة الأشجار المستحِمّة بالهِبَةِ السَّمائية بعد فصل القحط.
حرضتني الأغنية الفيروزية "دهب أيلول" التي استعادها الكثيرون من غيبتها الصيفية وبثّوها على مواقع التواصل ليوقظوا حنيننا العاطفي: "ورقُه الأصفر، شهر أيلولْ، تحت الشبابيكْ... ذكّرني وورقه دهب مشغولْ، ذكّرني فيك.."! حاولت أن أتذكر مكاناً في أحيائنا تنفرش على شوارعه وأرصفته سجّادة من الأصفر الذهبي، وعزّ الطلب بسبب اغتيال الأشجار. واستجرت بما خزنته الذاكرة من صور بطاقات البريد لغابات بعيدة سامقة ملتفة، متلفعة بالضباب، تجوس بين سيقانها الأردية التي انزلقت عن أكتافها وأخذت تبعثرها الريح. قف. وتأمل!
أيلول متبدل الأطوار. ثمة وقت يصبح فيه الخريف خارج الفصول، وقابضاً على عنق كل الفصول؛ عندما يدفعنا العُمر برفق ماكر لارتقاء تلته الوعرة بدون أن نعي، ويُلجِئنا أحياناً إلى استراحة قصيرة على السفوح: استراحة الأربعين؛ استراحة الخمسين؛ وفي كل استراحة ننتبه فقط إلى ما تآكل من غضاريف الأطراف، وكم صرنا أكثر شيخوخة.
هناك فوق المساحات الخريفية الغائمة المدبّبة على ذرى العمر، وسط السحب الرماديّة والهواء القليل؛ ينهدٌ المرء محدقاً في العروق الوعرة التي تسلَّقتها قدماه على خاصرة التل وأفضت به إلى هنا: "كيف وصلتُ إلى هنا؟!". وفي الأسفل، تتراءى في غبش الغيم صفحات من العمر المتروك، مجعّدة، متهالكة مثل غمار قمح مدروسة على سهل أصبح ضيقاً على البعد، مبقَّعة بخربشات غير بائنة غاضت ألوانها، واشتبه فيها المعنى أمام البصر الكليل..
أتذكر نزار قباني، يُعابث أيلول: "لا زَيْتَ.. لا قَشَّةْ/ لا فَحمةٌ في الدارْ/ جَهِّزْ وِجاقَ النارْ/... أيلولُ للضمِّ، فمُدَّ لي زندَك/ هلْ أخبروا أُمّي؟ أنّي هُنا عندَك.."؛ وإيليّا أبو ماضي أيضاً: "الحُسنُ حولك في الوِهادِ، وفي الذُّرى.. فانظرْ، ألستَ ترى الجمال كما أرى؟/ أيلولُ يمشي في الحقولِ وفي الرُّبى، والأرضُ في أيلولَ أحسَنُ مَنظراً..".
أيلولُ الريفيّ القديم، فيما يبدو، كان إيجابيّ الطاقة. ربمّا انحكمت انطباعاته في أعين شعراء البيئات الأكثر بساطة بمقولة الإنجليز "الجمال في عين الرائي". ولا بُدّ أن تكون ثمة حالة عشق ما، هي التي تذهب بعين الشاعر إلى الألوان لتلتقطها مما تبقى بعد إقفار الخضرة وعراء الأشجار. وحتى قتامة الأوراق الخريفية الجافة الضاربة إلى البنيّ بعد انفصالها عن الأنساغ، تصبح في عين العاشق ذهبية.
أيلول، في لحظة مسروقَةٍ من كل قدرة متعلقاته اليومية القاهرة على اعتقال الانتباه، "ذكّرني فيك".

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   علاء الدين أبو زينة