يبدأ الواحد رحلة حياته متعجلاً، يريد الزمنَ أن يجري أسرع على وقع إيقاعه النشط. ثم تمضي السنون والعقود، ويخفت الإيقاع الشخصي. وفي لحظة فاصلة، يهرب الزمن الصارم الذي لا يعبأ بأحد أمام الذي كلّت ركبتاه، ووهبته العجلة ريثاً رغماً عنه. وفي تلك اللحظة تتغيّر الحسابات، ويفكر المرء فيما ليس منه بد: تُرى أيّ شيخوخة سأختبر إذا امتدّ بي العمر ولم أُمتْ واقفاً؟ هل أكون صاحب حظّ، فأتقاعد إلى دعة لا تعوزها الكرامة والاكتفاء، أم ستفاجئني الأيام بما لا يُحمَد ولَم يُحسب له حساب؟ هنا، في بيئاتنا غير المعتادة على الترتيب المنطقي، يصعب أن يتنبأ أحد بهيئة شيخوخته، وتبقى حظوظه رهناً بالتساهيل.
شاهدنا فيمَن قبلنا كثيراً من الاحتمالات. في الأساس، تربينا على ثقافة تُجِلُّ الكبير وتحفظ له فضله الأول وتُكرم شيبته. فإذا امتدّ به العمر، رعاه أولاده وأحفاده، وقدموا له من السبل المادية والمعنوية ما يتسلّى به عن ضعفه وانصراف الدنيا عنه. لكنّنا رأينا الدنيا تتغير أيضاً، وعرفنا عن أناس فعلوا كلّ شيء لعائلاتهم، ثم شاخوا فتنكر لهم الأولاد والأقربون، وأبلغوهم صباح مساء بأنهم فائضون ثقيلون. سمعنا عن أغنياء بنوا لأبنائهم عمائر وأعمالاً، فأسكنهم الأولاد في شيخوختهم في القبو. وعن آخرين قاضاهم أبناؤهم في المحاكم بادعاء الخرف حتى يرثوهم أحياء. ورأينا أبناء يستبقون آباءهم وأمهاتهم عندهم، وإنما مع الاستثقال والحفاظ على المظاهر، فيما لا يسمع شكوى الوالدَين إلا خالقهم. وهكذا.
وفي الحقيقة، تغيّرت الظروف والأحوال في بلادنا. ذهبت العائلات الممتدة التي كانت تستوعب نفسها، وجاءت العائلة النووية التي لا يتوزع فيها الحِمل. وسمعتُ من سيدة تُعنى بالمسنين في الأردن مثالاً عن الأم العاملة التي ترسل أولادها صباحاً إلى الحضانة، ويكاد يستحيل عليها أن ترعى مُسناً –حماها كان أم أباها. وهناك اختلاف الترتيبات الاقتصادية في الأسر الحديثة، حيث لا يفرض أحد الزوجين على الآخر وجود أبويه أو أحدهما في منزله، إذا لم يكن التراضي خياراً أصلياً. وتتعدد الحكايات والتفصيلات في هذا الصدد، لكن صوتَ الناس الذين يكونون قد ملأوا الدنيا صوتاً في أيام عزّهم، يُصبح مُسكتاً لا يدري به أحد في كثير من الحالات.
عندما يتحدث العالَم عن يوم للمسنين، ويبحث شؤونهم في الهيئات الدولية والمحلية، فإنّه لا يتحدّث مثلنا، عن الجانب العاطفي. هناك، تُعامل المسألة كما يجب، كشأن وطني عملي يخص الحكومات والأمم: كيف يكون الضمان الاجتماعي؛ كيف العناية بصحة المواطن عندما يشيخ؛ ومن هو المسؤول أخيراً عن حفظ كرامته وسبل عيشه من دون تحميل العبء لأفراد، وما هي مواصفات البيوت التي ينبغي أن تحتضن الفرسان المترجلين بحيثُ لا يتمنون الموت، كيف يطمئن المرء وهو ما يزال عاملاً إلى أنه لا يسير إلى مجهول عندما يحين أوان استراحته.
في مناطقنا، يشيخُ كثير من الناس قبل الأوان من كثرة الأعباء وغبش الوجهات. الكثيرون لا يتوفر لهم مدخل إلى فحوص دورية معقولة لصحتهم بسبب ضيق الحال وضعف الرعاية الحكومية، فتأكلهم الأمراض وهم لا يعلمون. وآخرون يعملون في قطاعات خاصة تحب الربح ولا ترحم، فتحرمهم من التسجيل في الضمان الاجتماعي تهرباً من دفع حصتها، فيتقاعدون على الفاقة. وكما تقول دراسات موثوقة، فإن الغضب لحظة يقصّر العمر يوماً، وما أكثر الغضب في بلادنا ودواعي الاكتئاب لمختلف الأسباب. وباختصار، ليس عندنا الكثير مما يُجنب الناس غائلة القلق عندما يشرعون في ارتياد نهايات الطريق.
توفير السبل الواضحة لترتيب حياة لائقة للمسنين، ينبغي أن يكون شأناً وطنياً استراتيجياً، لأنّ الجميع ذاهبون إلى هناك حتماً. وإذا كان مطلوباً من المواطن أن يُفني عمره في العمل حتى يعمر ويبني له ولغيره، فإنّ من حقه أن يطمئن إلى جزاءٍ حسَن عما قدّم عندما يشيب. ولكن، ماذا عندما يكون الشباب أنفسهم قلقين ولا يعرفون ما يفعلون في الغد القريب؟ ماذا سيفكر المواطن عندما يقطع أكثر من نصف العمر وهو لم يستقر ولم يطمئن؟ أتصور أن احتمالات الشيخوخة عندنا أمر مقلق، لأنَها رهن بالشهامة والعاطفة، أكثر من الحسابات العملية. وهو قلق مشروع.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   علاء الدين أبو زينة