يراجع أحد أبنائنا مكاتب الأحوال المدنية لاستخراج جواز سفر مثلاً، فيرسلونه إلى مكاتب التجنيد والتعبئة العامة لتأكيد تأجيل خدمة العلم. ويذهب آخر إلى المطار قاصداً الرّزاق الكريم، فيعيدونه لإحضار تصريح سفر يثبت أن خدمته مؤجلة. وهناك أردنيون يحملون أرقاماً وطنية ووثائق كاملة، يراجعون نفس الدائرة التي تحتفظ بكل سجلاتهم المدنية، فيرسلونهم إلى دائرة أخرى تابعة لنفس الوزارة (المتابعة والتفتيش)، لإثبات أنهم لا يحملون بطاقات خضراء ولا صفراء، وأنهم أردنيون! هذه مجرد أمثلة فقط على بيروقراطية الدوائر الحكومية التي لا يسندها منطق، سوى ضرب أعصاب المواطن وتضييع وقته وهدر نقوده، وجعله يكره اضطراره إلى معاملة حكومية!
في شأن خدمة العلم، الدنيا كلها تعلم أنها معلقة في الأردن منذ عقود، وأن خدمة أبنائنا في سن الخدمة مؤجلة حتى إشعار آخر. لماذا يريد أحد إثباتاً -في الأحوال المدنية أو المطار أو أي جهة متصلة بالدولة- على أن المراجع مؤجل؟ يفكر المرء بقصة رسم الدينار مقابل تأجيل الخدمة. جيد، لماذا يدفع المواطن نقوداً ليقروا بأن خدمته مؤجلة؟ لماذا لا يكون هناك مندوب عن التعبئة العامة في مكاتب الأحوال المدنية يختم الدفاتر ويقبض الرسم، أو يضاف دينار الخدمة إلى رسوم الجواز أو الهوية؟ وفي شأن البطاقة الخضراء والصفراء، لماذا لا يتحقق موظف الجوازات/ وزارة الداخلية مما يريد من ملف المواطن الإلكتروني الموحد؟ ما الذي يفعله موظف "المتابعة والتفتيش" غير ذلك؟ ما هي "الحكومة الإلكترونية" وتيسير معاملات المواطن مع كل هذا الازدراء للتقنية ووحدة البيانات؟ ولماذا الإصرار على تطويل المعاملات بلا داعٍ؟!
شاب مضطر إلى السفر راجع الأحوال المدنية لتجديد جواز سفره، فأرسلوه إلى التعبئة. ولأن الطرق بعد العاصفة الأخيرة ما هي عليه، والسير عليها عقاب، راجع مكتب تعبئة تابع لجامعة رسمية في الجوار، فرفضوا ختم دفتره، ووجهوه إلى المكاتب البعيدة في ماركا وأم الأسود. لماذا لا يسهل الإخوة في مكاتب التعبئة في الجامعات شؤون مواطنيهم، فيؤجلون لهم ويوفرون عليهم مشقة وكلفة الطريق، خاصة أن عملهم يقتصر على بداية العام الدراسي حين يؤجلون دفاتر الطلبة مرة واحدة؟ هل هم غير مختصين؛ لا يمتلكون مدخلاً إلى بيانات التعبئة؛ أم أن المسألة غرام بالروتين و"الاختصاص"؟
ثمة شيء مشابه يختبره خريجو الجامعات، يسمى "براءة الذمة". فحتى تبرأ ذمة الخريج ويقابل الدنيا بقلب طاهر، يحمل ورقة ويدور: من المالية، إلى شؤون الطلبة، والأنشطة الطلابية، إلى المستودعات والملابس والأثاث، إلى المختبرات، والمكتبة، وسكرتيرة القسم، وعمادة الكلية والتسجيل. ربما يمكن أن يقوم الموظف الذي يصدر وثائق تخرّج الطالب بفحص كل متعلقاته من قاعدة بيانات مركزية، ويطلب منه تبرئة ذمته من الشأن الذي عليه مطلب فيه فقط. وفي الحقيقة، لا يفعل الموظفون في كل دوائر الجامعة سوى تلقيم رقم الطالب الجامعي للحاسوب ليقول لهم: ما عليه شيء. لماذا عشرة موظفين وعشرة حواسيب ونهار من الدوران على الأقدام؟ في الشقيقة مصر، يسمون هذا الشيء "كعب داير". وهي طريقة لعقاب المشتبه به حين يلف به عسكري على جميع محافظات مصر للتأكد من عدم وجود أمر آخر بالقبض عليه، فتبلى قدماه ويجف ريقه قبل الإفراج عنه!
حيث يحترمون وقت وأعصاب المواطنين، يجددون معظم الوثائق بالبريد، ويوصلونها إلى باب البيت. وفي النهاية، لا جميل لأحد على المواطن الذي يدفع كثيراً جداً من الرسوم لقاء الخدمة! لكن الحقيقة أن أحداً يريد أن يشغّل الجهاز المؤسسي الهائل المترهل، فيوزع الأعمال: هذا يختم لك هنا، وهذا هناك. وليت ذلك في مجمع واحد أو حارة واحدة. الكل يقول: ليس شغلي، إذهب عن ظهري، ويؤجل دوره في مَهر معاملتك بتوقيعه البهي. وفي مفارقة عجيبة، ينسى الجالس وراء المكتب الحكومي أنه مواطن أيضاً وليس مريخياً، وأنه سيحتاج غداً إلى إنجاز معاملة له في دائرة أخرى، وأن المراجع يخدمه من موقعه -أو أنه ربما يقايض الموظف هناك: "الداعي زميلك هناك، مشيني وسأمشيك، غداً يأتي حََبُّك إلى طاحوني"!
لماذا التمسك بالتخلف؟ لماذا العلاقة الانتقامية بين المواطن ودوائر الدولة؟ لماذا كل شؤون المواطن تعقيد في تعقيد؟!

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   علاء الدين أبو زينة