روى لي صديق قصة عرضتها محطة تلفزيونية قبل بعض الوقت، تحكي عن "فلسطيني" من بدو النقب، خدم في جهاز شرطة العدو قرابة ثلاثين عاماً حتى وصل إلى رتبة كولونيل. وحسب الرواية، أقام له زملاؤه في الخدمة حفل وداع ما، ثم عاد إلى مسقط رأسه في النقب، ليجد أن سلطات الاحتلال هدمت بيته. وحسب الصديق، انتهى التقرير الإخباري بالمذكور جالساً على أطلال منزله، يحدّث وسائل الإعلام عن أسفه وضيقه بالشماتة التي سيقابله بها أهل منطقته وهم يرون ما فعل به أصدقاؤه.
بعدها بأيام، نقلت الأخبار أن مقاول بناء "إسرائيلي" قام بجر عامل بناء فلسطيني بعد أن أصيب العامل بجروح بليغة أثناء عمله في ورشة بناء في تل أبيب، ورماه في شارع فرعي لينزف حتى الموت، متعمداً عدم تقديم إسعاف له. وذكرت صحيفة "هآرتس" كل تفصيلات الخبر وإفادات الشهود التي تؤكد الواقعة. وهناك فرق، بطبيعة الحال، بين العميل الخائن الذي اشتغل شرطياً على مواطنيه وأهل بلده لصالح العدو، وبين العامل الذي ربما أجبره عيشه القسري تحت الاحتلال على ملاحقة اللقمة المغمسة بالعرق والدم. لكن نهاية الأول والثاني تقول الحكاية المعروفة تماماً: إنك لن تجني أي خير من العمل مع عدو بائن لا يمكن أن يضمر لك خيراً. وقد عبر الإخوة المصريون عن ذلك بمثل طريف: "آخر خدمة الغز علقة!".
"الغُز"، حسب المصريين، هم فرسان المماليك، وقد يكون اللفظ مشتقاً من "الغزاة". وتقول بعض الروايات أن المماليك كانوا إذا حلوا بقرية أخرجوا أهلها وأجبروهم على العمل لديهم وخدمتهم، وسلبوا أرزاقهم بلا مقابل. وعندما تنتهي إقامتهم بالقرية ويعزمون على المغادرة، كانوا يضربون الأهالي ويسيئون معاملتهم في تعبير عن التجبر وفرض الهيبة. وفي الحقيقة، هذا طبع الغزاة والاحتلالات في كل مكان. ودائماً أيضاً، هناك الذين يُجبرون على الخدمة، والآخرون الذين يختارونها اختياراً، طمعاً في امتياز أو انحيازاً للقوي. والنوع الأخير ليس فاقد الكرامة فقط، وإنما هو كائن بالغ الأذى لأنه يلحق الضرر بالآخرين، ويخون وطنه. وما أسوأ خيانة الوطن!
في ذهني منذ الصغر مثال الفيالق البولندية التي كانت تعمل مع الاحتلال الألماني. كان هؤلاء الجنود البولنديون يُستعملون مثل كلاب الحراسة، أو الدروع البشرية، وتوكل إليهم تنفيذ الأعمال القذرة في المناطق الأخرى التي يحتلها الألمان. وهناك الآن في بلداننا طبقات من العملاء الذين يعملون ضد بلدانهم ومواطنيهم مع أعداء بائنين، أحياناً بذريعة الدبلوماسية، وأحياناً بذريعة الاستعانة بالآخرين على تحرير بلدانهم وإهدائها الحرية. أما الدبلوماسية، فضرورة. لكنها في حقيقتها عمل ماكر براغماتي التكوين، وغايتها تحقيق أقصى الاستفادة من الأطراف الأخرى لخدمة المصالح الوطنية -بمعنى مصلحة مواطني البلدان، وليس مصالح النخب مقابل بيع البسطاء للأغراب. والفرق بائن جداً بين الدبلوماسية الذكية وبين العمل عند العدو. والمعيار البسيط ما يجنيه الناس العاديون من "دبلوماسية" الدبلوماسي، خيراً أو بؤساً. وفي مسألة الحريّة، سيعني منح الأقوياء الحرية لغيرهم بالضرورة تضييق مساحة "حرياتهم" هم في استغلالك والركوب على ظهرك، ولذلك لا يمكن أن يحرروك طواعية. لكن تلك وسيلة لأن يأتي العملاء إلى السلطة على دبابات الغزاة.
تجربة السيد "الكولونيل" الذي هدموا بيته في النقب المحتل، والعامل المغدور في تل أبيب، تؤكد فقط عبث الاتكال على العدو الصهيوني في فلسطين المحتلة، العبقري في الغدر. لكنني أفكر دائماً في أبرع وظيفة ابتكرها العقل الاحتلالي في العقود الأخيرة: وظيفة "شريك سلام". وفي الظاهر، يعرض العنوان فكرة "الشراكة" التي تعني الندية وتقاسم العوائد. لكن الأمر أشبه بصاحب رأسمال، يخدع مفلساً ويغويه بالعمل معه "شريكاً" لكنه يسرق جهده ويوجهه وينهكه في خدمته، ويظل يعده بنسبة الأرباح التي لا يقبضها أبداً. وكنت أشك في موضوع العمل عند العدو، حتى ظهر موضوع تهديد مسؤولين فلسطينيين قادة العدو بالاستقالة إذا لم يقل الإصرار على إحراجهم أمام الشعب.
منذ "الشراكة" –كما يصرون- تكرس الاحتلال وماتت المقاومة، وكسب الاحتلال حراسة من أعلى طراز. وتقول مكافأة قادة الفلسطينيين عن عملهم المخلص بعروض "السلام" المريعة الأخيرة، إنهم ينالون فقط ما ناله خُدّام الغز!
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد علاء الدين أبو زينة