أعجبتني -وكتبت عنها في هذا المكان- فكرة انضباط الناس بفعل نوع من الرقابة الإيجابية؛ بحيث لا يتعدون على النظام والخطوط لغاية استقرار الحيز الشخصي. لكن رفيقاً لاحظ ونحن نسير في أحد شوارع المدينة المنضبطة، أن الناس من حولنا يتحركون مثل الساعة -لا أحد يتصرف على نحو غير متوقع؛ لا أحد يبدو منفعلاً؛ وكل شيء يسير بحساب. لم يعجبني مجاز "الساعة" في الموضوع. بدأت أرى الناس هناك آلات تعمل بتروس يديرها تحكُّم إلهي، ويجبرها على تكرار نفس الحركات بمنتهى الدقة، حتى لا يتقدم شيء أو يتأخر. وفي الحقيقة، بدا لي الانضباط بهذا المعنى شأناً مملاً، يماثل الجمود والموات، ويعاكس حيوية الحياة على طول الخط.
هذه هي سمة المجتمعات المعاصرة "العمليّة" التي تُعرِّف نفسها بأنها تصلح لجمع النقود. لكنه ليس ثمة شيء يشبه جمع النقود بالمعنى الحرفي هناك. الناس يركضون وتتداولهم الأيام. ترتفع دخولهم، فتنفتح لهم مسارب جديدة للاستهلاك. يزيد الراتب، فيبحث الفرد عن منزل أوسع، وسيارة أكبر وأحدث، ويشتري ملابس أغلى وأفخم. وإذا امتلك شركة، سعى إلى فتح فروع وشركات. ويستدعى المشهد مجاز العجلة الهائلة التي تدور بلا كلل ولا قلب، وتتبع الناس على الأعقاب. فإذا سهى أحد دقيقة داسته، وتركته يتفقد أطرافه ويستجمع نفسه، عله يلتحق ثانية بذيل الركب المجنون.
نقيض ذلك يسمى مجتمعات متخلفة، أو "نامية" في أحسن الأحوال. هناك الناس يوصفون بأنهم غير جديين ولا جادين، ولا يحترمون الوقت. حياتهم مركبة على الارتجال والصدفة. ترتيباتهم غير مرتبة، مؤثثة بالعاطفة الهشة التي يُقال إنها تقع في النهاية البعيدة عن العقل. وفي التحصيل الأخير، يسعى الجميع ويطالب الجميع بالوصول إلى التجمع "الحضري" الطاحن، بالمعنى الرأسمالي الموصوف أعلاه.
شيء يحيّر. في العادة، يربطون الفن بالفوضى والعلِم بالانضباط. وكثيراً ما يضيّع الناس نقطة التوازن بين الكينونتين الضروريتين. لا يمكن تخيل الناس جميعاً يتحركون في مختبرات بيضاء بمعاطف بيضاء، يحِسبون ويزِنون الأشياء بالغرام والمليمتر. حتى العالِم، ينبغي أن يخرج من معطفه ويرتاد حفلة ملونة ما في المساء، ويرقص -لمَ لا؟ أو أن يستغرق في مشهد رائق يحلل عنه الكآبة وصرامة المختبر. بالنسبة لي، لا أحبّ أن أكون من بين الذين يقترحون الانضباط الآليّ على طريقة الساعة والتروس. تلك هي الوسيلة المحتومة لضيق الخلق والتحول إلى معدن فظ. لكنني أضبط نفسي وأنا أروج للانضباط!
الثوريون يعرفون أن الثورة هي -بالتعريف- إشاعة نوع من الفوضى في ترتيب مستقر. لكنهم يتحدثون كثيراً عن "الانضباط الثوري". لا يمكن أن تكون الأشياء مائعة وكلٌّ يتصرف على هواه، في حين أن "الثورة" وتفكيك الترتيبات المنضبطة هي الأساس في تقدم الأشياء. وبالنسبة للتخطيط الحضري أيضاً، يصفون العيش في شقق الأبراج بأنه العيش في عُلَب. ولعل من أجمل ما قرأت عن ذلك، ما قاله "ويلي لومان"، بطل مسرحية آرثر ميلر "موت بائع جوال". إذ يقول ويلي لزوجته ليندا: "الشارع مليء بصفوف السيارات. لا نفَساً من الهواء النقي في الحي. لم يعد العشبُ ينمو، ولا يمكن للمرء أن يزرع جزرة في فنائه الخلفي. كان يجب أن يضعوا قانوناً ضد مساكن الشقق. أتذكرين شجرتَي الدردار الجميلتين هناك؟ كنا أنا وبيف (ابنه) نعلق الأرجوحة بينهما". وتعلّق ليندا: "نعم، كما لو أن المرء على بعد مليون ميل من المدينة". 
ما نزال هنا نراوح في المساحة المائعة بين الحنين الرعوي والانضباط الحضري. وهذا يوتّر الفرد، خصوصاً الموصوف بالمنتمي إلى "الطبقة الوسطى". أحياناً، يبدو هذا التوصيف نفسه مفتَعلاً ومتجنياً. هنا في الأردن مثلاً، يذهب الناس بأنفسهم إلى العيش في "العلب"، ويتطوعون للركض أمام العجلة، وإنما من دون "الرفاه الاجتماعي" المربوط بالطبقة الوسطى. وفي المجمل، لا ظهور لسمة الإنتاج، أو حتى سماح لطاقات الإنتاج بالتعبير عن نفسها. لكنه يشيع نوع من الضبط الفوضوي "السياسي والأخلاقي والاقتصادي" الذي لا وصف له. يتقمص الناس جديّة المنتجين، فيعبسون بلا طائل. يتمردون أحياناً على الانضباط، ولا يختبرون حرية المتمرد وهِباته. يصبحون معدنيين مثل الساعات، وإنما بغير دقة الساعات. ومع ذلك، يسودنا إحساس بالحاجة إلى الانضباط. أيُّ انضباط؟!

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   علاء الدين أبو زينة