في الغالب نتحاشى أن نسمّيَ الأشياءَ بأسمائها الحقيقية: لأننا مغرمون بالتورية والتشبيه والترميز والمواربة، ومهووسون بالأسماء الحركية، التي قد تصبح مع التقادم الزمني رائجة وشائعة أكثر من الاسم الحقيقي، بل وتأخذ مكانه في الأذهان والكلام والأسواق
| .
السيارات تحظى لدينا بأسماء حركية فتطغى على الماركات والنوعيات والموديلات: الشبح، البطة، القرش والنصف، الغواصة، الخنفساء، الأحول، القص، الأزعر، الوطواط، وكذلك في الهواتف المحمولة: الدب، البيبي، الدمعة، الشيطان، الهمر، الصرصور، شوكولاته، خداج، وغيرها مما لم أحًط به خبرا | | .
في رمضان لا ترتفع بورصة الأزهار والورود، ولا يروج سوقها في عادة، كما تروج وتموج سوق التمور، التي هي الروح الشفيفة للمائدة الرمضانية إفطارا وسحورا، ولما لها من فوائد جمة للصائم، ولما لها من حظوة دينية. وعندما زرت المعرض الذي أقامته جمعية التمور الأردنية في مجمع النقابات المهنية، قبل الصيام بيومين، شعرت بالفخر لجودة الإنتاج وفخامته وننتظر اليوم الذي نصبح فيه دولة مكتفية تمرياً، ونحن قادرون على هذا | | .
في مصر صارت مشهورة جداً معارك سوق التمور ومضارباته، بل وتحتد خلال رمضان، ومن طريف أمر تجارها اتخاذهم أسماءً حركية للتمور يتداولونها بينهم، ويتعاملون بها، متجاوزين أسماءها الحقيقية، لأن الاسم الحركي يعطي مزيدا من الرواج وبالتالي ارتفاعا في الأسعار.
تحتل أسماء السياسيين والفنانين النجوم مكانة مميزة في قوائم التمور: فتمر أوباما يحتل المركز الأول في سوق اليوم، وسعره في المرتبة الأولى في ظل طلب - عليه - شديد، فالرهان على باراك أوباما في أوجه، قبل أن يطلق مبادرته السلمية للمنطقة بعد أقل من شهر. وهذا التمر ذاته كان يحمل اسم حسن نصرالله خلال العدوان الإسرائيلي الأخير على لبنان، وشهد حينها ارتفاعاً قياسيا في سعره.
وتذكرون أن اسم نانسي عجرم أطلق قبل عامين على أفضل أنواع التمور حلاوة، وهي تمر البرحي، ومن حسنات هذه التسمية أن أسعارها لم تبق (نص نص) بل شاطت ولعلعت في العلالي، لتتناسب مع رواج سوق صاحبة الاسم | | .
وفي حرب الخليج الأولى أطلق أسم بوش الأب، على أردأ أنواع التمور (الجعرور، والقبعرور، والقش، والخسف، وعندما احتل العراق أطلق اسم بوش الابن على التمور ذاتها، ولأن لكل فولة كيالها، فهناك من الناس من يشتريها فسعرها متاح ومتواضع. وعلى قدر قروشك حرّك أسنانك | | .
وتبقى الصرخة مجروحة في الأسواق: متى تتحرر لقمة الناس من سطوة السياسة والفن والدعاية؟ | . ولكنها صرخةّ عابرةّ لا شأن لها بروعة ولذة التمور، فالنخلة ستبقى عمة العرب | .
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة رمزي الغزوي جريدة الدستور
login |