المثل السويدي الشائع يشبه الضيف بالسمك ، فبعد ثلاثة أيام تفسد رائحته الجو والمكان ، وهذه المدة الثقيلة تتقارب مع مدة الضيافة أيام البداوة الخالية ، التي تحدد بسقف أعلى هو ثلاثة أيام وثلث اليوم ، فكان العرف الرائج في الصحراء ألا يسأل الضيف عن حاجته أو بغيته أو وجهته أو اسمه ، حتى انقضاء تلك المهلة البسيطة التي يقضيها بين الترحيب والتهليل والسقاء والطعام،،.

بعض الضيوف ينطحون السقف الأعلى لحدود الضيافة: فيفسدون الجو والبر والبحر ، ويثقلون على أهل البيت الذين تأبى مروءتهم أن يعبروا عن ضجرهم بصريح العبارة ، لكن ربة البيت تتخذ التذمر والتململ طريقا لذلك ، لكن الضيف الرقيق الذي (شرّش) وضرب جذوره عميقاً ، ولا يريد يتزحزح ، أو يرينا عرض أكتافه ، وقد تطلق بعض الكلمات الملمحة على سبيل الكلام للجارة ، وافهمي يا كنة ، علّه يخجل وينهي زيارته الخاطفة للأرواح،،.

أحيانا تسلك ربة البيت سلوكاً تكتيكياً يتمثل بالكنس والتعجيج ، مستفيدة من القاعدة الشعبية العراقية (إن أردت أن تهجج ، فاكنس وعجج،،) ، فترتفع سحب الغبار عالياً ، ويتأجج هسيس المكنسة ، فيختفي الضيف الخفيف بين طيات الغبار وسحبها الكثيفة ، ولكنها لا تمطر عليه إلا سكينة وهدوء ، فيستكين كتمثال خشبي ، عندها يثور بركان الزوجة ، وتطلب من زوجها أن يتصرف ، لكن كرمه يأبى أن يطرد ضيف:الضيف ضيف الرحمان يا حرمة،،،.

وفي لحظة صفاء ودهاء تقترح الزوجة على أفراد العائلة كافة ، بما فيهم الضيف المعرش في صدر البيت ، أن يلعبوا رياضة القفز ، فهي مفيدة للصحة والعافية ، فيرفض الضيف المقترح ، بحجة أنه لا يقوى على هذه الحركات ، لكنه يستجيب تحت إصرار ربة البيت،، ، والخطة تقضي أن يقف كل واحد على عتبة البيت ، ويقفز إلى الخارج ، وعندما يقفز الضيف خارج البيت ، يسرعون فيغلقون الباب خلفه ، ويتخلصون منه لأبد الأبدين ، لكن الضيف يباغتهم بخطته المضادة ، فيحول اتجاه قفزته الرباعية إلى الداخل ، فيجيء قاعداً مكانه على الجاعد،،.

لا شيء يشبه هذا الضيف الثقيل إلا الفقر ، الذي يربض في كثير من البيوت المستورة منذ سنوات ، لكنه ليس ككل الضيوف قد يطرق الأبواب ويسلم ويجلس على الجواعد ، بل هو ضيف مرواغ وانتهازي قد يتطاول ويعيش مع المواطن في سرواله ، وعندها لا تنفع معه الخطط والقفزات الخارجية. فهل تقدر الحكومة أن تزحزح فقرهم البليد وتسعفهم بخططها التهجيجية الحقيقية؟،.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة   رمزي الغزوي   جريدة الدستور