هنالك من يضعون ثروتهم ومخاوفهم على رؤوسهم فتثقلهم وتقصم ظهورهم ، وتجعلهم يئنون تحت وطأتها ، لذا يظلون قصار قامة منحنين متقزمين، ، لا يستطيعون أن يرفعوا هاماتهم كشراع مفتوح. وفيما آخرون يضعون ثرواتهم ومخاوفهم تحت أقدامهم ويرتقون بها،، ، فيصبحون طوال القامة شامخي الرؤوس،.

لكن الحكمة القديمة توصينا: لا تترك رأسك يغري قدميك بالطيران، ، لأن علاقتك بالأرض هي سرُّ قوتك ، وأكسير عنفوانك، ، ومع ذلك ، سيحلو لنا أن نكسر ظاهر هذه الحكمة الصارمة ، فنشهر أجنحتنا أشرعة حبلى بالريح ، ونطير نجوب الآفاق ، نمخر عباب الفضاءات ، لكننا لا ننسى أبداً حبل سرتنا، ، فمهما علونا وشهقنا ، لا بد ونعود بين الفينة والأخرى إلى أمنا الأرض ، وأديمها الأثير: كي نستمد قوتنا لطيران آخر،،.

(جايا) ابن الأرض ، حسب الأسطورة اليونانية ، كان ضئيل الجسد هزيلاً وضعيفاً ، لكنه كان خارق القوة جباراً ، وكان قادراً إذا ما ظلت قدماه ملامستين للأرض ، أن يصرع أعظم العمالقة ويجندلهم ، ولهذا لم يكن أحد يقدر على صرعه ، أو الانتصار عليه ، إلا أن (هرقل) اكتشف هذا السر الخطير ، سر ارتباط جايا بأمه الأرض ، فرفعه عالياً عندما دخل معه في مصارعة مثيرة: رفعه بعيداً عن أمه الأرض ، وخنقه في الفضاء منتصراً عليه،،.

ومع ذلك سيبقى طيراننا الطويل متعباً ، تماماً كالكراسي طويلة القامة ، فهي متعبةّ أيضاً ، ومتعبة جداً كالرأس المرفوع ، الذي يتعب صاحبه ويشقيه ويدخله في دهاليز وأنفاق ، ويجعله في صدام دائم: أليس كذلك؟، ، وإلا لماذا تكون الكراسي أكثر راحةً وأوفر سكينةً ، كلما كانت قصيرة القامة،، ، قريبة من تراب الأرض ، حتى أننا ، إذا أردنا أن نمعن في الراحة والاسترخاء ، نبذنا الكراسي جانباً ، وافترش الأرض دون وسيط: جلداً على جلد،،.

لست أدعو للزحف ، أو افتراش رغام التراب.. بل الطيران ، فنحن أبناء الأرض ، من ترابها جبلنا: هاماتنا من أديمها ، وإليها سنأوي ذات يوم: لنرقد رقدتنا الكبرى والأخيرة ، لكن إليها سنبقى نمد جذورنا ، لنظل أحياء أقوياء ، فكل شيء جذره في ساقه ، إلا الإنسان.. جذوره في رأسه ، هل نتذكر هذا؟، ، فكل النباتات إذا ما قطعت رؤوسها تظل حيةً ، وربما تنمو من جديد ، وتخرج رؤوساً أخرى ، إلا الإنسان: فإنه يبقى حياً ما بقي الرأس ، وكذلك النخيل يشترك معنا في هذه الصفة،.

فلماذا لا نطير بتفكير وتحليق؟؟، ، دون أن نترك جذورنا أو نقطعها، ، ولماذا لا نشمخ برؤوسنا عالياً ، بعد أن نقف على أرض صلبة؟،، ، ولماذا لا نكون كالنخيل إن متنا.. متنا واقفين،،،.


المراجع

addustour.com

التصانيف

صحافة   رمزي الغزوي   جريدة الدستور   العلوم الاجتماعية