كثيراً ما نلجأ لاستراتيجية بديلة في الطبخ ، فإذا ما شعرنا أن اللحمة قاسية مطاطية أو (هرشة) وقد بلغت من الكبر عتيا ، وأنها ستستنزف حرارة عالية وزمناً طويلاً ، قبل أن تصبح صالحة للمضغ أو النهش ، فإننا نتخذ طناجر الضغط ملاذا أخيرا،،.
علمياً ، ومن ناحية فيزيائية ، تعتمد طريقة عمل طنجرة الضغط على حبس البخار ، مما يسبب زيادة كبيرة في الضغط الجوي داخلها ، فترتفع درجة غليان الماء إلى مائتين أو ثلاثمائة درجة مئوية ، بدلاً عن الوضع الطبيعي للغليان وهو المائة درجة ، وهذا الزيادة الكبيرة في الحرارة ، تجعل النضج سريعاً وكبيراً،،،.
السياسة تتشابه فنياً وتقنياً مع فن الطبخ ، فهي تحتاج إلى نار بعدة درجات: تحتاج للهادئة تفيد بالنضج البطيء ، ولنار حامية تليق بالقلي ، ولمتوسطة تناسب الخبز والخبيز ، وإذا كان الطهاة يستخدمون طنجرة الضغط لطبخ المقادم والكرشات والرؤوس ، فالسياسة وطهاتها يستخدمون الطنجرة لطبخ الرؤوس فقط،،.
من حسنات طناجر الضغط أنها تعلن عن نضج واستواء ما بداخلها بالصفير ، أما الشعوب المطبوخة على ضغط غير قابل للتنفيس ، فالوضع يغدو قاب سكتتين أو أدنى من انفجار تتطاير فيه المقادم والكرشات على الرؤوس ، دون أن تصدر صفيراً إلا صفيرا داخليا ينخر دم الغضب،،.
وشعوبنا العربية لا تختلف كثيراً عن ضغط الطبيخ ، فهي تُطهى بطناجر ضغط متداخلة ، الواحدة في الأخرى ، من أجل مزيد من النضج السريع ، فهناك طنجرة للسياسة الداخلية والضريبية ، وهناك طنجرة للرضوخ العالمي ، تهضم وتطهي كل الطناجر الداخلية،،.
وليس بعيداً عن القاعدة الذهبية في الوجدان الشعبي ، والتي تقر بأن الطبخ ليس إلا (نفس) ، فمهما تآزرت سبل الطبخ ، بأفضل مواصفاتها وتقنياتها ، فالطبخ يبقى مربوطاً ومنوطاً بنفس الطباخ ولمساته ، فكم من طعام كلف كثيراً ، لكنه نضج خالياً من نكهة تجعله مميزاً وذا ذائقة فريدة ، بعيداً عن تلك القاعدة العريضة ، فالسياسة كذلك بمطابخها العديدة العتيدة ، تتداخل وتتقاطع متشابهة بمطابخ الطعام، ، لكن طبيخ الساسة يظل بمذاق يصعب (هضمه) أحياناً: لكثرة البهارات المسفوحة عليه،،.
ملاحظة مطبخية من الشيف رمزي: نحن شعوب طرية وما من داع للنار أو.. طناجر البخار،،،.
المراجع
addustour.com
التصانيف
صحافة رمزي الغزوي جريدة الدستور العلوم الاجتماعية