كلما ضربت موجة عنف جديدة بغداد ، يضربني تسونامي أحلام من نوع لا أعرف نوعه ، أحلام أستعيد فيها أيامي طالباً يؤججه العنفوان يحيا حياته كما ينبغي لشاب لم يأبه بالحرب ولا بحمحماتها ومراجلها ، التي كانت تغلي وتفور: فاختار بعثة دراسية إلى بغداد مطلع تسعينيات القرن الماضي ، اصر عليها من بين ثلاث دول كانت متاحة أن يدرس فيها. ياااااه: لماذا صرت أقع بعشقك يا بغداد ، كلما وقع فيك انفجار؟؟،. متعب أنا لأجلك يا سيدتي منذ حنين،.
هذه المرة يأخذني حلمي إلى المستنصرية ، جامعتنا الأم ، بساعتها الشامخة وورودها وآسها الندي الذي يؤطر الممرات ، قبل جرس المحاضرة نحث الخطى نحو النادي: نأتلف حول قهوتنا الأولى ، ونعد على عجل ما بقي من وجباتنا المقيتة ، وفيروز تشدو لنهار سيكون بديعاً واعداً. لكن صديقتنا زينة ، وعلى غير عادتها ، تفتعل شجاراً صاخباً: كي لا نؤجل موعد رحلتنا إلى بحيرة (الحبانية) في محافظة الرمادي. الشجار ينسينا جرس المحاضرة. والأستاذ كعادته لا يدخل أحداً خلفه بعد إغلاق الباب. راحت علينا: سنطير إذن إلى الحبانية ، أيها المجانين،.
عصراً يأخذني الحلم إلى مقام الخًضر ، الرابض على شبه تلة تحت جسر يصل رصافة بغداد بكرخها ، وفي هذا المقام المتشح باللون الأخضر نبع ماءْ عذبْ لذَّةً للشاربين ، به يطفئُ المتعبون ظمأهم: ويرخي أعنة أحلامه شموعاً طافيةً على هدوءً الماء ، فكل من لديه هم ، أو حبيب غائب ينتظر أوبته ، وكل من لديه حلم يراوده ، كان يأتي ويطوف شمعة يأخذها دجلة ، فعسى الحبيب يعود ببركة الخضر ، وعسى الحلم يصير حقيقة بين أصابعنا،،.
أشتري بعضاً من الشموع ، وأقرفص قرب الماء ، حيث النسوة المُجلّلات بالعباءات بالسواد ، والصبايا مكسورات الجناح ، يأتين للخضر يشعلن شموعهن بهدوء وسكينة ، ويثبتنها على كعب سعف النخيل ، أو على خشبة أو فلينة ، ويتركنها تعوم وتبحر مع ماء النهر ، بعد أن يذرفن الدموع ، لتخرج الأماني ساخنةً من المآقي ، ولتشتعل الأحلام خيوطَ ضوءْ رجراجة مع بوحها لولي الله الخضر،.
مساءً أطوف مع صديقي الذي ابتلعته الغربة وانقطعت أخباره ، منذ حربين وحصار ، وما عاد لحضن أمه للآن ، نطوف شارع السعدون ، بعد أن نمر بساحة التحرير ، ونقف طويلا تحت نصب الحرية الشهير ، نتساءل بدموع: لماذا يمتلئ ويتلوى هذا النصب الحجري بكل هذا الوجع. ثم نصل البائعة الصغيرة التي اعتدنا أن نحتسي عندها (استكانة) شاي مهيلة. وعلى عادته ما زال صديقي مصراً أن تغمس الفتاة إصبعها الشهي في كأس الشاي ، كي يزداد حلاوة. هل ما زلت تحب الشاي مخدراً بأصابع الجميلات؟،.
عد إلى حضن أمك أيها الفتى،.
وسلام عليك يا بغداد.
المراجع
addustour.com
التصانيف
صحافة رمزي الغزوي جريدة الدستور