لأن الخريف أبو الفصول جميعها ، كما ادعيت في مقالة يوم الخميس الماضي ، سيعجبني أن أحيي نبات النرجس المدجن في قواوير الزريعة وحدائق البيوت ، لأنه يعطينا دليلاً دامغا على أن الربيع قد يكون خريفياً أيضاً ، يعطي أزهاره البيضاء بتاجها الذهبي ، مخالفا طبيعة الاشياء ، فأهلا بالنرجس الجريء.
في ثقافتنا المعاصرة يطلق لقب (النرجسي) على الأناني المفرط بحب نفسه ، لكن المعجبين بالنرجس يرون أننا نظلمه عندما نلصق به تهمة الأنانية. فلماذا نجرؤ على النرجس ونغتاله ، ونشبهه بأولئك الذين جعلهم حبهم لأنفسهم يكرهون العالم وأهله؟؟،.
سأعود لمنبع الحكاية حين كان أجمل فتى في العالم يسير وحيداً ، كما تشير الأسطورة الإغريقية ، فتى لا يحادث أية امرأة ، فكل النساء لا يلقن به وبجماله ، وكم تمنى لو يجد مخلوقاً يضاهيه تألقاً ، فهو لن يصادق أحداً أقل منه جمالاً ، حتى لو كلفه هذا أن يظل وحيداً دون أدنى صديق،،.
ذات مرة جلس هذا الفتى ، وكان اسمه (نرسيس) ، جانب ضفة نهر صغير ، والشمس كانت ساطعة تجعل النهر مرآة صافية تعكس الأشجار والسماء ، نظر نرسيس فرأى وجهاً جميلاً في الماء ، فرك عينيه ليتأكد ، ثم نظر ثانية في صفحة النهر ، هذا الوجه ما زال هنا: لا بدَّ أنه جاء من أجلي ، إنه أجمل وجه رأيته في حياتي ، يكاد يشبهني ، لولا هالة النور التي حوله ، هذه هي المرأة التي أبحث عنها،،.
حدّق نرسيس في النهر ، ثم مدَّ يده إلى صفحة النهر ، فاضطرب الماء ، واختفى الوجه: فحزن ، ثم عاود الكرة بعد أن ركد الماء ، فاختفى الوجه من جديد ، وهكذا ظل نرسيس على حاله ، يوماً بعد يوم ، لا يتحرك ولا يأكل ، لا يبعد نظره عن وجه الماء ، حتى انزرعت ساقاه في ضفة النهر ، وصارتا جذوراً ، وشعره الطويل المتجعد صار ورقاً ، فيما وجهه الأبيض وتاجه الذهبي ، صارا تويجات بيض وصفر: لقد تحول الفتى(نرسيس) إلى زهر النرسيس أو (النرجس)،.
أنانيو هذا العالم ، الذين لم يكتفوا بحب أنفسهم بل كرهوا الناس والعالم ، لو قدر لهم أن يجلسوا بجانب نهر ، وينظروا إلى صفحة الماء: فإنهم سيتحولون إلى أشواك معدنية حادة. فهم لم ينطلقوا إلى حب أنفسهم من خلال حب العالم ، وحب الآخرين ، بل حبهم لأنفسهم أعماهم عن أي شيء آخر. فمرحى لنرجسنا ، وتباً للأنانية ، وأشواكها القبيحة،،.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة رمزي الغزوي جريدة الدستور