ما من شيء أشد وجعا من التسنين (بزوغ أسنان الطفل اللبنية) ، ولهذا قال مثلنا الشعبي على لسان الطفل المسنن (لو دريت ميمتي عن وجع أسناني ، لجهزت أكفاني). وهذه المرحلة المؤلمة تبدأ في العادة من الشهر الخامس ، ويصاحبها إرتفاع للحرارة ، وتعكر مزاج ، وفقدان للشهية ، بالإضافة إلى الترييل الساخن (كثرة سيلان اللعاب)،.

أمي ما زالت تتمسك بتقاليد وطقوس حميمية. فعندما تبدأ أعراض التسنين بالظهور على أي حفيد من أحفادها ، تنهمك بإعداد كميات كبيرة من السليقة (القمح المسلوق مع الحمص والفول) ، يسميها البعض (بالسنينية) ، ثم تفرقها على الأقارب والجيران والمعارف ، ابتهاجاً بهذه الأسنان النابزة كإبر عاجية بفم حفيدها. وتيمناً بأن يكبر الطفل ويصير قادراً على إطعام نفسه ، بعد أن نما سلاحه في رأسه.

ربما كان من حق الفلاحين أن يفرحوا ويتفاءلوا ويسلقوا سليقة ابتهاجاً ببزوغ أسنان أطفالهم ، فطعام أيام زمان كان قاسياً ولا بد من أسنان قوية تقوى عليه ، وليس كطعام هذا الزمن السهل اللين ، الذي لا يحتاج إلى قضم أو خضم. فهل تستحق أمتنا العربية حفلة سليقة عامرة ابتهاجا بهذه الأسنان البازغة بنيرة (لثة) تونس ومصر؟،.

شعوبنا العربية التي عاشت درداء (بلا أسنان) لفترات طويلة. انتابتها حالة تسنين متأخرة (على كبر) ، وهذا مفرح. وأعراض هذا التسنين الشعبي واضحة وضوح القهر ، ابتداء بالارتفاع الحرارة الجوانية وليس انتهاء بتعكر المزاج العام والنزق البركاني الذي ينتاب النفوس والرؤوس،.

سأطلب من جداتنا وأمهاتنا الطيبات ، من خليج إلى المحيط ، أن يسلقن سليقة بكميات كبيرة احتفالاً بهذا التسنين العظيم. فهذه الأمة ستملك أسنانها من جديد ، في رأسها وعقلها ويدها. وستستعيد عافيتها ، وزمام حريتها. وسترفع عنها غلو الطغيان الذي تداعى عليها تداعي الأكلة على قصعتها،.

ولن نخاف بعد اليوم ، أن تكون الأسنان البازغة بيضاء صافية خفيفة مثل (البولسترين) ، وهي من بعد تونس ومصر ستكون أقوى من البورسلان والرصاص والعاج والألماس. إنها أسنان اخرجها وأنبتها وبراها القهر. وما أقوى الأسنان حين تبزغ على قهر،،،،،،،.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة   رمزي الغزوي   جريدة الدستور