عتبة التكريم 

 

يا الله، كم أنا كثير بكم يا أهلي، وصحبي، وأصدقائي، وزملائي. كثير بكم، وأكاد أحسني شجرة تضرب جذراً في المحبة، وأغصانها تبلغ الثريا والسماء بعنفوان. ويا الله، كيف لرجل مثلي لا يملك دمعه، أن يواجه مثل هذا الحب الكاسر لكل حدود التوقع والرهان؟.

ثم كيف لي أن أحتمل هذا الحنو الصادق، والاحتضان الحميمي جرعة واحدة، ولا أصاب بلوثة عشق أزلية للكلمة والأرض والشعر؟. وكيف لي أن أتلقى إشعاعات حب المئات ممن احتشدوا كجمرات دفء دون أن أتمغنط بوقفة عزٍ عزّ نظيرها في الوجود.

فكيف أواجه كل هذه الحفاوة، ولا أتكهرب بنوبة بكاء داخلي، تقول ما لا تقوله كل كلمات الفرح والسعادة. مساء الخميس الماضي، لم يكن جميلاً وباذخاً بالحب فحسب؛ بل كان عتبة كبرى لحياتي ومهنتي.

حينما أرادت هيئة شباب كفرنجة الجامعيين أن تكرم المنجز الثقافي والحضور الإبداعي، لصاحب هذه الحروف، على حد رؤيتهم وقناعتهم، قلت مبتسما: مهلاً إنني لم أمت بعد، ففي بعض عاداتنا أننا لا نكرم مبدعينا وأدباءنا إلا حين يضمهم القبر، وعندها (تطول أرجلهم) ونمنحهم احتفالا سريعاً، ونطلق أسماءهم على شوارع فرعية. لكنني حينما رأيت تصميماً في مسعاهم، أيقنت أن الدنيا ما زالت بخير، وأن أرضنا ستبقى منبتاً للبركة والوفاء.

لم أنظر للحفل بأنه تكريم لي، بل تكريم للكلمة قبل كل شي؛ للكلمة التي تفعل فعلها في حياتنا ووجداننا، وبالتالي تكريم للقراء والناس الذين لولاهم؛ لما كان الكتاب، وهو تكريم للقراء الشركاء، الذين ما زالوا ينفعلون مع الكلمة وظلالها.

ورغم جوائز كثيرة نلتها، إلا أن وقفة الخميس كانت عتبة كبرى في حياتي، فقد حملني ذلك الحشد، أمانة الكلمة من جديد، وأكدها بإصرار، ولهذا حشرجتُ قائلاً: يا الله، إني لا أسالك حملاً خفيفاً؛ بل ظهراً قوياً.

عتبة تكريم ستجعلني أتغلغل في جذور بلدي وترابها وهمومها وأوجاعها ومسراتها، وأنفعل مع حياة ناسي أكثر، مستنداً على تراثهم الأصيل والغني، فهم مدادي وحبري، وأبطال قصصي، وميدان مقالاتي، وتلك العتبة أقنعتني أكثر أن المحلية، ليست إلا المنصة الكبرى للانطلاق للعالمية.

شكراً لكل الذين توافدوا من أردننا الوفي للمشاركة في الحفل. شكرا للأهل والأصدقاء والقراء، شكرا لعجلون المحافظة، ولكفرنجة الأم، ولهيئة شبابها فرداً فرداً، و للزملاء في رابطة الكتاب، والصحفيين، شكرا لوزير الإعلام معالي الزميل الأستاذ راكان المجالي، وللأستاذ الصديق أيمن الشويات، ولمريم الجبر الناقدة الحصيفة، وسيبقى الشكر موصولاً لفناننا المحبوب الأصيل الأستاذ زهير النوباني.

 

بقلم رمزي الغزوي


المراجع

addustour.com

التصانيف

صحافة   رمزي الغزوي   جريدة الدستور   العلوم الاجتماعية