سرير الكتب

 

تبتهج كثيراً زوجات الكتّاب والشعراء عندما يصدرون كتابهم الأول، كابتهاجهن بالحمل الأول، ويذهبن بعيداً في تأويل الحياة الاقتصادية التي ستنعم بها الأسرة بعد هذا الانقلاب الثقافي، فربما سيتم الانتقال إلى شقة أرحب في مكان أفضل من هذه الحارة، وربما سنشتري سيارة قديمة ونسدِّدُ أقساط الأثاث المكسورة منذ سنين، ونخلص من همِّ الدين، ومطاردة أصحاب البقّالات.

وفي هذه المرحلة تُظهر الزوجات نوعاً من المودّة الزائدة نحو أزواجهن الكتّاب، فالمستقبل يفتح ذراعية مجداً ومالاً لهم، حتى المكتبة البيتية، التي تثقل على الزوجة كعشرة ضرائرٍ، تصبح محطّ اهتمامهن، فيرفعن الغبار عنها، وينفضن كتبها، ويعدن ترتيبها بكثير من الذائقة الزائفة، وتنتظر الزوجة إصدار الكتاب الأول، على أحر من القهر والمطبعة تماطل، والزوج يسوّف، ويفتعل المبررات الهزيلة.

وذات مساءٍ تُصعقُ الزوجة بمنظر زوجها الكاتب الواعد المرموق، الذي سيحرق السوق، عائداً أشعث أغبر يلهث، طالباً منها فتح الباب على مصراعيه؛ ليدخل ضيوفه الاعزاء.

أولاد الحارة يعاونون الكاتب في إنزال الكتب المغلّفة، وإدخالها إلى البيت، والزوجة تهزُّ رأسها، والشرار يتقادح من عينيها، وتقذف زوجها عبارةً نارية: هذه الكتب مكانها في السوق، وليس في البيت يا عزيزي. لكنه يطلب منها التريث.

وتضيق الشقة في وجهه، ولا يجد مكاناً لإسكان كتبه إلا غرفة النوم، وتحديداً تحت السرير، فينبطح، ويبدأ بترتيب الكتب بكثيرٍ من المشقة، ويبتهج عندما يفرغ من المهمة، فالسرير قد كفَّ عن صريره المزعج الدائم (فقد ثبتناه) .

يجلس الكاتب إلى طاولته، ويبدأ بتلاوة أحلامه بصوتٍ عالٍ، ظاناً بأن زوجته تسمعه: أمانة عمان ستشتري بالف دينار، وكذلك وزارة الثقافة، والجامعات ستبتهج لوصول الكتاب، وستشتري بمئة دينار والمدارس فوزارة التربية ترحب بالكتب (الإبداعية)، ولا تقيم وزناً للمحسوبيات والمعارف، أو للكتب الرخيصة.

الزوجة تلهث وهي تخرجُ الكتب من غرفة النوم، وترتبها في الممر، على هيئة سرير، ثم ترمي عليه بطانيةٍ خفيفة، وتزمجر في وجه الزوج المغبون، وتبشره بأنهُ سوف ينام على سرير الكتب، الذي صنعته له في الممر، حتى يتخلص من كتبه الكسيحة.

هذا وقيل، بأن صاحبنا قد أنجب سبعة أولاد على سرير الكتب الوثير.

 

بقلم رمزي الغزوي


المراجع

addustour.com

التصانيف

صحافة   رمزي الغزوي   جريدة الدستور   العلوم الاجتماعية