بيت السنونو
العصافير طرائد طفولتنا، الشقيّة الشهيّة النقية. العصافير متعتنا العسل، ندوخُ الدوخات السبع؛ لنكشف أو نخبر أعشاشها اللائذة، في الأغصان، وجذوع الشجر، وبين الصخور، وننتظر بلهفة صيفاً يطول عابقاً؛ كي تفقس البيوض، وتنضج الأفراخ؛ لنقطفها طريّةً
، طعاماً فاخراً لذيذاً، أو زينةً وطرباً في الأقفاص.
ولم نقرب يوماً عشاً لم ينضج بعد، أو فراخهُ لحمٌ: أي ما زالت مغطّاة بالريش الحرام (الزغب)، وكانت كلُّ الطيور حلالٌ لأيادينا الطائلة الطويلة، فالواحد منّا يتسلق كقرد أعلى السروات؛ لأجل عُشٍّ بثلاثةِ فراخ | .
وما نحاذره، هو السنونو، شقيق ألعابنا على عتبات الغروب | ، فهو الطائر الرشيق الأسود، ذو البطن الرمادية، فلا نقرب له عشاً، ولا نرميه بحجر، ونتحسّر عليه حسرة أمّ ثكلى، إذا ما وقع في فخنا، فكيف لا نخاف عليه، وهو ربيبُ خيالاتنا الأولى، وأمنياتنا الأولى، إذ المعلمةُ تقرأ علينا سورة الفيل، بصوتها المحشرج؛ فنكره الفيل، ونتعاطف مع طيور الأبابيل، التي تجهدُ منقارها في رمي الكفّار بحجارةً من سجيل؛ لتحمي الكعبة، ومن تكل الساعة أحببنا السنونو، ورسمنا له في قلوبنا تاجاً من الهيبة والوقار | .
السنونو من الطيور المهاجرة، فإذا اشتد البردُ رحل، ليعود مع بواكير الربيع، يبني أعشاشه الطينيّة في زوايا البيوت، وفوق الشبابيك، والأبواب، أو الأماكن المهجورة.
وكنا إذا ما بنى السنونو عشَّه في احد بيوتنا؛ تفاءلنا وفرحنا، وقلنا: إنها (مستجيرةٌ)، أي تطلب حماية أهل الدار، وعلينا أن نوفرها لها، وتبني أعشاشها من التراب، الذي يتحوّل في فمها إلى طينٍ بعد مزجه بلعابها وريقها (لاحظوا كيف تُبنى البيوت | )، وثم تنضِّدهُ بهندسةٍ مدهشة، ولا أجمل، وتجعله على هيئة مخروط كروي رأسه للأسفل، يكون متيناً كالصخر، وقد ينفع الطائر أكثر من عام، وقد تتوارثه الأجيال | .
إذا راقبت السنونو؛ تراه يطير قريباً من الأرض، وكأنه يقبِّل وجهها، وأحيانا يسقط ريشةً من فمه، ثم يتركها تتطاوح متهادية في الهواء حتى تقترب من الأرض؛ فيلقطها بمنقاره بمهارة عالية، ويلاعبها براشقة لاعب سيرك، فيثير فينا الفرح | .
في طفولتنا، كنا نتوق لو نتضامن مع طيور السنونو، إذ تعصف بنا المحن والأحزان والكروب، فنفتح لها أبواب بيوتنا، وشقوق جدراننا؛ وجراح قلوبنا الفاغرة؛ فعساها تعيد الكرّة أكثر من مرة، وتسقط على رؤوس أعدائنا حجارة من سجيل، تجعله كعصف (التبن).. مأكولا | .
بقلم رمزي الغزوي
المراجع
addustour.com
التصانيف
صحافة رمزي الغزوي جريدة الدستور العلوم الاجتماعية
login |