ما كان سيكفي يا غزة 

 

هل كان سيكفي أن تلكم وجه الحيط بقبضتك الراعشة، وتلطم دفة الباب من وجع كلما إزداد عدد الشهداء في غزة؟. هل سيكفيك ألا تأكل شيئاً، وتغص ببعض الماء؟. هل يكفي أن تبكي في حضن كفيك، على قرار عربي جريء، يقضي بإعادة النظر بمبادرة السلام العربية قبل عشر سنوات.

هل يكفي أن تبكي لتتطهر من قهر علق بحبالك الصوتية بعد صرختين مباغتتين؟. هل يكفي أن تشارك بمسيرة صاخبة، فتضيع حشرجاتك بين جماهير دافئة حدَّ التعرق؟. هل يكفي أن تحمل شعاراً من كلمات غاضبة لا تقرؤها إلا حدقات الكاميرات.

هل يكفي أن تكشف عن نصف ذراعك، وتتبرع بوحدة دم دافق، ثم تخرج شبه دائخ بقطنة معقمة فوق نقرة الإبرة تفتش عن مطعم يقدم لحماً مشوياً، أو عصيراً طازجاً؛ كي تسترد بعض حديدك المنقوص؟. هل يكفي أن تتسمر أمام التلفاز حتى الفجر تجوب الفضائيات المتلعثمة بلطخات أخبار العدوان؟. هل يكفي أيها المسكين، أن يتحول حبر الصحف إلى دم يعلق بالأصابع، فتمسحه لتكتب عن الحب زمن الحرب؟. هل يكفيك أن تتساءل أيها الرومانسي في زمن البلادة والبرود العالمي عن ذلك الذي سيسقط راء الحرب. وهل ما زلت تؤمن أن الحرب والحب يخرجان من حنجرة واحدة.

هل يكفي أن تتلو قصيدة من زمن العنفوان، عن تلاميذ غزة، أو تسترجع ما كتبته قبل ربع قرن عن دموع كانت تتحول إلى حجارة بأيادي الأطفال الأبطال؟. هل يكفي أن تبتكر مسرحاً مختلفاً، تكون فيه المشاهد الوحيد، والمخرج والممثل والكمبارس، فما عليك، إلا أن تدخل غرفة فارغة وتواجه جداراً متجهماً، ثم توغل صارخا بشتائم من تحت الحزام، ثم تنهال على خديك بالصفعات، وتضرب مطار صلعتك العريض.

متعبون نحن، متعبون حد نخاع العظم، ونحتاج مسرحاً فارغاً إلا من جدار، ندخله صبحَ مساء؛ علنا نخفف لهيب غيظنا، ونتطهر من أدراننا التي تسرطنت وصارت أكبر من أحجامنا، فالشوارع لم تجدِ نفعاً. سندخل المسرح منفردين، بعيداً عن المسرح العالمي (الفاتح) الذي انقلب الجميع فيه إلى متفرجين على طائرات إسرائيل الراجمة، سأدخله وأواجه الجدار: لست أعني غزة ووقفة عزة، ولست أعني حقول البارود المبلول، ولست أعني النار والدمار، لست أعني الاشقاء والإخوان ولست أعني ضمير العالم، لست أعني أحداًً؛ صدقني لمرة واحدة يا أيها ا ل ج د ا ر.

 

بقلم رمزي الغزوي


المراجع

addustour.com

التصانيف

صحافة   رمزي الغزوي   جريدة الدستور   العلوم الاجتماعية