خيط اللبن 

 

لم يكن صادماً أن تياراتٍ وأحزاباً عريقة تاريخياً، لها صوت عال، وهوبرة كبيرة، اتحدت في قائمة وعجزت عن إيجاد موطِئ قدم في البرلمان. وكذلك فشلت قوائم كثيرة استندت إلى حراكات شعبية ذات زخم، أو أفكارٍ جهوية مطروحة بقوة.

فالعشائرية كانت الخيط الناظم على نول العملية الانتخابية، في أغلب مفاصلها، ولولا اتكاء بعض القوائم الوطنية على العكاز العشائري، لما كانت قادرة على تأمين وصول خافت إلى المجلس يتمثل بمقعد وحيد.

جرت العادة في انتخاباتنا النيابية، أن تقام التحالفات على مستوى راوبط الدم والقرابة، أو على وحدة الفكر والسياسية، أو على أسس لمصالح مشتركة ومنافع متبادلة، لكن لم يحدث أن قامت أية تحالفات انتخابية على أساس (جغرافي تاريخي)، كما حدث في منطقة (خيط اللبن) في محافظة عجلون.

ستظل تعجبني لفتة الملك عبدالله الأول، إذ امتلك روحا شعرية فأعاد تسمية (وادي الريان)، في لوء الكورة بمحافظة إربد، على ما كان معروفاً بالوادي اليابس، لأنه ريان بالخضرة وأشجار الرمان والتين، والناس الطيبين والماء العسل.

ويعجبني أكثر أنه أطلق أيضاً تسمية (خيط اللبن) على مناطق عجلون الشمالية الغربية، التي تضم القرى: راسون، المرجم، عرجان، باعون، أوصرة، حلاوة، الهاشمية، أو ما كانت تعرف بفأرة (وهي وعاء المسك)، ودير صمادية.

في أحاديثنا اليومية، ما زال اسم خيط اللبن متداولاً، لا يدل على كرم أهالي تلك المنطقة فحسب، بل يشي بصفاء ونقاء تلك الأرض الطيبة، التي تدر لبنا طيباً موصولاً. وهنا لا أتمنى فقط أن يصار إلى تكريس الاسم، بل أتوق أن يعود خيط اللبن دافقاً بعودة الناس للفلاحة والزراعة وتربية الحلال (يسمون الأغنام بالحلال).

في ما مضى، كانت أصوات أبناء خيط اللبن الانتخابية تذهب (شذرَ مذرَ)، أي أن كل مرشح في المحافظة، كان له فيهم نصيب . ويبدو أن أبناء هذا الخيط شعروا بالغبن أخيراً، فعندما حاول بعض أبنائهم الترشح، ولم يحظوا بنصيب من النجاح. ولهذا جاءت الخطوة الثأرية المفاجئة على مستوى المحافظة والبلد، وخرج علينا تجمع يقال إنه بني على أساس تاريخي وجغرافي سمي بحلف (خيط اللبن)، فأجمعوا على مرشح، وأوصلوه إلى البرلمان.

لا أناقش إيجابية هذا التحالف أو سلبيته، ولا أبدي اعجابي أو عدمه من مخرجاته، بل أود أن أشير إلى المجتمع الأردني على ما يبدو يحاول جاهداً أن يوجد روابط وتحالفات تكون أكثر قوة من السياسية والحزبية التي عجزت عن مقارعة العشائرية. وهذه حالة بحاجة لدراسة اجتماعية تجيب عن بعض تساؤلاتنا.

 

بقلم رمزي الغزوي


المراجع

addustour.com

التصانيف

صحافة   رمزي الغزوي   جريدة الدستور   العلوم الاجتماعية