عمود مطروق بحجر 

 

ماذا لو عاشت حبة البرتقال أسبوعاً ، أو شهراً، أو عمراً كاملاً بين قبيلة من حبات الجوافة، فهل ستمنحك عصير (جوافة) إذا ما عصرتها، إنها تعطي ما بداخلها، حتى لو مكثت طويلاً بين حبات جوافة، فهناك قانون سائد، هو أن العالم الداخلي للإنسان، هو الذي يؤثر في العالم الخارجي المحيط به، وليس العكس، فكما تكون أنت؛ يكون العالم من حولك.

عندما غرسوا أعمدة الكهرباء المعدنية في شارعنا، اكتشفت لعبة جميلة، فقد كنت أقبض حجراً صغيراً، وأطرق على عمود، ثم أسرع وأضع صيوان أذني على العمود الثاني؛ فأسمع الطرقة فيه، وكم كانت حيرتي كبيرة وعظيمة، فكيف يدوي هذا العمود، دون أن أطرقه أو أمسه بحجر. كيف انتقلت طرقتي إليه؟.

حين درسنا الفيزياء عرفت أن العمود المطروق، يبعث اهتزازات وموجات، يلتقطها العمود الثاني الساكن، وقد يبثها من جديد. فأبهجني فهمي للعالم وسره البسيط، وفرحت جداً بطفولة ما زالت خضراء في نفسي ولهفتي.

أحدهم جاء إلى الفيلسوف سقراط، وقال له: أريد أن أسكن في هذه المدينة؛ لأن الناس في مدينتي سيئون خبثاء أنانيون، لا يحبونني، فقال له سقراط: لا تسكن في هذه المدينة مطلقاً، فالناس هنا تماماً كالناس في مدينتك.

وجاء رجل آخر إلى إليه وقال: أريد أن أسكن في هذه المدينة، فما رأيك يا سقراط بالناس هنا، فسأله عن الناس في مدينته، قال له: إنهم طيبون، حميميون، رائعون، فقال له: أسكن سريعاً في هذه المدينة، فالناس هنا هم تماماً كالناس في مدينتك.

كل واحد يستطيع أن يحدد طبيعة عالمه الخارجي، فإذا نظرت إلى الناس بحب وحنو، فهم سينظرون إليك بحب وحنو، وإذا نظرت إليهم شزراً وبازدراء؛ فسينظرون إليك شزراً وبازدراء، فالبرتقال لن ينتج عصير التوت أبداً.

وقد تنجح هذه النظرة البسيطة مع النفس أيضا. فأنت إذا توقعت النجاح، وحدثت نفسك به فستنجح حتماً، وإذا ما حدثت نفسك بالفشل فسيكون نصيبك، وإذا نظرت للعالم بحب، فسيحبك العالم وإذا شزرت الناس شزروك وكرهوك وناصبوك المقت، فأنت كما يكون عالمك الداخلي، يكون عالمك الخارجي، فالفم المر، لا يتذوق السكر أبداً، بل يقرأ الأشياء بمرارة وعلقم.

ما نحن ألا أعمدة مطروقة بحجر، نبعث إلى الآخرين ذات النغمة، التي سنسمعها لو أنصتنا إليهم جيداً، عندما يعيدون إلينا النغمة عبر الأثير.

 

بقلم رمزي الغزوي


المراجع

addustour.com

التصانيف

صحافة   رمزي الغزوي   جريدة الدستور   العلوم الاجتماعية