عباءة (طنبورة)
لن أجنح إلى عباءة الإخفاء، التي يجتهد العلم على نسجها بخيوط من سيليكون، ودوائر كهربائية دقيقة، لتكون قادرة على إخفاء من يلبسها، وحجبه عن النظر، حتى لو كان موشوماً بدماء طازجة، أو كان بحجم طاغية نهوم.
ولن أقف عند رمزية العباءة ومعانيها، في موروثنا العربي، لأن عدداً كبيراً من المناسبات الجليلة تجعلنا فقط نخلع على فلان عباءة مقصبة، كأن يكون رائداً حقيقياً حفظ أهله وحقن أرواحهم، ورد عنهم (النقا).
لكني سأعود لعباءة (طنبورة)، وأنفض عنها غبار زمن مركوم. وطنبورة ليست أداة موسيقية، كما يوحي اسمها، إنما فتاة صماء بكماء، وجدت من يتزوجها (فلكل فولة كيّال)، كما تروي حكاياتنا الشعبية. ولأنها لا تسمع، ولا تتكلم، دربها عريسها على (لغة العباءة)، فحين كان يريدها، كما تُراد الزوجة، ما عليه إلا أن يخلع عباءته، ويفرشها في أرض الخيمة، فتهرع طنبورة، وترتمي فوقها.
وذات سنة، صاح صائح، من أن غزواً يحوف الديرة، فهرع الزوج إلى خيمته، وفرش عباءته، كي يحمل بها ما خف حمله وغلا ثمنه، قبل الهرب. لكنه ما أن مدَّ العباءة على الأرض، حتى تجردت طنبورة من ملابسها وارتمت فوق العباءة كعادتها. فما كان منه إلا أن ضرب كفاً بكف ضاحكاً، فشر البلية ما يضحك، فمن أين لها أن تسمع صائح الغزو، ثم قال قولة سارت مثلاً:عرب وين، وطنبورة وين؟
.
لن أقلب كفي، ولن أجهش بضحك يشبه البكاء، ولن أقول لمن خلع عباءة على طاغية الشام: (عرب وين، وطنبورة وين؟ | ). لن نقول لهم أين أنتم ممن يقتلون كل يوم، لأنهم طلبوا حريتهم. لن نقول لهم هذا، ليسوا لأنهم صم وبكم كطنبورة، بل وعميان أيضاً. وإلا لسمعوا شهقات الشهداء، ووجع درعا، ومزيريب، قبل أن يصلوا الشام، ويتنعموا بفنادقها ذات النجوم.
ولو كانوا بعيون لرأوا ما فعلته طائرات طاغيتهم، ولما فكروا أن يكرموه بعباءة. ولو كانوا ينطقون لما أوغلوا في نصرته. لن نقول (احنا وين وطنبورة وين؟)، بل ليهنأ طاغيتكم بعباءة لن تجعل منه قائداً، لأن القائد لا يوغل بدم أهله. والعباءة لن تخفيه أيضاً عن قصاص سيحل به قريباً، كما حل بطغاة قبله: النمرود والقذافي وتشاوتشيسكو وغيرهم، ثم أكلتهم مزبلة التاريخ.
لا يوجعنا الطغاة بقدر ما يوجعنا أزلامهم . وهذا بالطبع لن يضير الحقيقة شيئاً، لإنهم يذهبون بطغاتهم عالياً بالوهم. كي يكون سقوطهم مريعاً. إحنا وين وطنبورة وين؟ | . ولكل فولة كيال | .
بقلم رمزي الغزوي
المراجع
addustour.com
التصانيف
صحافة رمزي الغزوي جريدة الدستور العلوم الاجتماعية
login |