أنا سعيد
شرح لنا معلم العلوم، في الصف السادس الأساسي مفهوم الضغط الجوي، وقال إنه يساوي وزن عمود الهواء، فوق منطقة معينة، وبسببه نشعر بثقل كبير على طبلات آذاننا، إذا ما نزلنا إلى منطقة منخفضة، عن سطح البحر، كالأغوار مثلاً.
في ربيع تلك السنة اشتركت برحلة انحدرت من جبال عجلون إلى كريمة، في الأغوار، ويبدو أنني ألصقت خدي بزجاج الشباك، واندغمت بخضار الافق، وبيارات الموز، ونوّار البرتقال، وزهور البسباس، فباغتني معلم العلوم: بماذا تشعر الآن يا رمزي؟
. فما كان مني إلا أن قلت بلسان طلق: أشعر بالسعادة. فضحك مقهقهاً، وضحكنا، وربما كان في باله أن أتذكر شعوري بثقل الضغط الجوي على طبلة أذني | .
ويبدو أنه من الجنون في هذا الوقت العاصف بالحروب والكروب، أن تصرح بكل براءة إنك سعيد، غير شاعر بثقل أعمدة الهواء والخواء والغلاء والبلاء على أم رأسك، وطبلة أذنك، وشبكية عينيك، وكريات دمك. والأكثر جنوناً، أن تدخل يومك مقرراً أن تعيشه بسعادة، دون أن تلقي بالاً لكل من يتربص بك، أو بما يواجهك من ضغوط وقنوط، و(حراقة حرسي).
اليوم لا يعتدل الربيع في نصف كرتنا الأرضي فقط، بل يحتفل العالم، ولأول مرة في التاريخ باليوم الدولي للسعادة، وسأتراجع بعض الشيء عن رأيي بمثل هذه الاحتفالات، التي تشعرنا بأن الأشياء المحتفل بها آيلة للنسيان، أو الانقراض أو السقوط، سأتراجع قليلاً لأقول، بأنني مع يوم للسعادة، كي نلهج لأنفسنا بهذا الشيء غير القابل للتعريف، الذي إن تغلغلنا بصدق يشعرنا بخفة الحياة، وقيمتنا، وسرعة إنطفائها، وضرورة اقتناصها.
لا أريد أن أعرف موقعنا المنخفض على خارطة الرفاه العالمي، ولكني سأتداول هذا اليوم مع أصدقائي وقرائي، كي نشعر حكوماتنا ، بحقنا في أن تسعي لاسعادنا، باتباع نهج أكثر شمولاً وإنصافاً وتوازناً تجاه النمو الاقتصادي، لتحقق التنمية المستدامة والقضاء على الفقر، وتوفير الرفاه لنا.
ستقولون إنني أحلم. نعم، فالحياة حلمي الكبير كانت وما تزال، حلمي الذي لا أحياه وإنا مغمض العينين، هائم في لجة الخدر، بل وأنا أفتحهما على اتساع البؤبؤين، وأحدق مثل نمر جائع، فحتى هزائمي، كل هزائمي صغيرها وكبيرها، وخساراتي، وعثراتي، لا تعني لي إلا درجة مكسورة في سلم سأصعده، مهما تشبثت بي المشاكل والمثبطات.
ولهذا أمرن جسدي وأدربه كي يتمدد ويستطيل؛ ليعبر كل الدرجات المكسورة ويتخطاها، فهناك دوماً ثمة طريق ستوصلني إلى نبع سعادتي، أو قمتها، ولهذا فأنا سعيد، لأنني أمشي إليها. فالسعادة طريق، أو السعادة قرار | .
بقلم رمزي الغزوي
المراجع
addustour.com
التصانيف
صحافة رمزي الغزوي جريدة الدستور العلوم الاجتماعية
login |