صفييييييير
كثير من الأردنيين الذين اعتادوا المساومة والمفاصلة كثيراً قبل الشراء، صاروا يتخذون وسيلة طريفة لتجنب ثورة الأسعار المجيدة، فهم يطلبون الشيء من التاجر، ثم وقبل معرفة سعره الجديد يهربون كصاروخ نفاث، تطبيقاً لمبدأ الشجاعة الجديد القديم: أطلب واهرب
| .
البعض مما تدربوا على الصبر ورباطة الجأش، والذين يستطيعون أن يثبتوا في المعمعيات الانسعارية يواجهون حمى الأسعار بالصفير الطوييييييييييييل، فما أن يسمع عن سعر جديد حتى بضم شفتيه ويصفر صفيرا مموسقاً يشبه العويل | | .
والصفير في الصغر كالنقش في الحجر | ، أي أن من فاته أن يتقن مهارة التصفير في صغره، فعليه أن يتعلمها الآن وليس غداً، حتى ولو حاول وسال لعابه كشلال مرات ومرات | ، فأمامنا جولات كثيرة وعديدة من التصفير المموسق وغير المموسق، فيبدو لي أن التصفير يريح الأعصاب، ويهدئ الحال ويلطف الانفعالات، ويجعلنا قادرين على تحمّل الصدمة، وبتالي تقبّل السعر الجديد بصدر حديد: إذن علينا أن نتعلم التصفير | | | .
ولأن طفولة بلا صفير كانت تبدو رخوة وبلا طعم | | ، فقد كان الواحد منا يتعلم التصفير، قبل أن يتعلم رسم اسمه بالفحم على جدران الجيران والبوابات: فبوساطة إصبعين ندخلهما في أفواهنا، ثم نزفر زفيرا قوياً، فينبعث الصفير ملعلعاً، ولكن كان لنا في صفيرنا مآرب أخرى غير مآرب اليوم، فما أن تصفر لكلبكم الخانع بظل الشجرة حتى يأتيك كالريح، ليفتك بقطة الجيران التي عاثت فسادا بحوض النعناع، أو أنك تصفر من شق الشباك كعصفور، كي تصعد حبيبتك الصغيرة إلى السطح؛ متحججة بتفقد حبل الغسيل، فتلوح لها بيدك الراعشة؛ لتعود إليك الروح، ثم تهرب كقطة تخبر أمها أنه لم يحن بعد قطاف الثياب | | .
وكنا إذا ما تعثرت أقدامنا وأدمينا، نصفر صفيرا طويلاً مع قليل من الرقص نفرغ به ألمنا ووجعنا، وهو كالصفير الذي نواجه به الكاذبين | ، فعندما يقذفك أحدهم بكذبة كبيرة، من نوع أرض جو، فلن تفعل شيئاً سوى أن تضم شفتيك كبوق، وتصفر لكذبته صفيراً طناناً وكأنك تقول له: كذااااااااااااااااااااب | | .
أعتقد أن تعلم الصغير على كبر سيكون مضيعة للوقت، لكن ما سيعوضنا عن ذلك التنفيس المريح، أننا سنغدو شئنا أم أبينا أباريق للغليان فوق نار الأسعار، كتلك التي نستخدمها في مطابخنا، مع فارق بسيط أنك عندما تسمع إبريقك يصفر تهرع وتطفئ النار تحته، أما أنت فإنك لو تصفر الدهرين فلن يهرع أحد إليك | | ، فالعالم حولك يحشو أذنيه طيناً وعجيناً، فصفيرك سيذهب أدراج الخواء، ولن يسرع أحد ليطفئ نارك أو يتفقد جرحك أو يسكت ألمك، ولهذا كم يبدو جميلاً، أن يتحول الواحد منا إلى إبريق صفار أخرس لا ينفث إلا البخار صامتاً، فيا الله...امنحنا نفسًا طويلاً فأمامنا صفير أطول | | .
بقلم رمزي الغزوي
المراجع
addustour.com
التصانيف
صحافة رمزي الغزوي جريدة الدستور العلوم الاجتماعية
login |