بياض الليل 

 

اقترب القمر ليلة أمس من أمه الأرض، حدَّ كدنا نقطفه برؤوس أصابعنا، فغدا وجه المدينة مفضوحاً بالنور على غير عادته. عندها واتاني سؤال أبيض: هل كنا سنقدر ونرى وجوهنا على حقيقتها في ليل أبيض كليلة أمس؟، وهل كنا سنستطيع أن نخلو بنفوسنا بعيداً عن ضوضاء العالم لنمحص ذواتنا، ونتخذ هدأة الليل صومعة لأنفسنا؟.

الليل كان في سالف الزمان أبيض كما تدعي الأسطورة العالمية، كان مثل القطن، وفي إحدى ليالي الصيف أحيا سلطان الكروم حفلاً باذخاً دعا إليه حشداً من عناصر الطبيعة، من الأحياء والجمادات، واشترط أن يكتسي المدعوون ملابس داكنة السواد.

عندما وصل الليل إلى تخوم القصر سحرته خيوط الموسيقى الناعمة المتسربة من سور الحديقة، وملأت خياشيمه روائح شهية، من أطعمة ساخنة، ولما هم بالدخول بخيلاء وزهو، أوقفه كبير الحرس، وحياه بإجلال، وأدب جم، وذكره بأنه لا يقدر أن يحضر الحفل بلا ملابس داكنة، فخجل الليل الأبيض، وانسحب منكسراً، وعاد أدراجه من حيث أتى، وقلبه مثقل بالحزن والهم، وغطته غلالة من الكآبة والإكتئاب.

زادت حدة الحسرة في نفس الليل، فتوارى عن الأنظار، وهجر الجميع، لزمن طويل، فانحسر عنه بهاؤه وضياؤه، وكساه السواد والشحوب، بسبب حرمانه من حضور حفل السلطان البهيج، ومن يومها صار الليل أسود حالكاً، إلا من نقاط تلمع بوجهه، هي دموع حسراته، وهي النجوم التي نراها في صفحة السماء. ومن يومها أمسى الليل يأتي ويذهب أسود الوجه.

لكنه في عزلته الطويلة والتي قضاها وحيداً، يكابد مرارته، أنجب القمر؛ كتعويض له عن بهائه الذي فقده، ومن ذلك اليوم، صار يطلع في وجه الليل قمر يرد إليه بعض بياضه الساحر، وصار القمر المنير سلوة للعاشقين المحرومين، ورفيقاً للشعراء والمحبين، الذين فاتهم مرأى أحبتهم، في حفلة النهار.

ولربما تفوتنا حفلة أو أكلة، أو سهرة، أو أن شرط الحضور لا يعجبنا. أو فاتنا أن نرى قمر ليلة أمس الواسع، فهل نرتد إلى صومعة نفوسنا، فتكون دموعنا نجوماً نهتدي بها في ظلمتنا، أو عله يتولد فينا قمر ينمو ويتدور ويغدو بدراً ثم يتناقص متآكلاً، فيعطينا شعوراً طيباً ألا نأسى على ما خسرناه، ونكتفي بقمر نفوسنا المتاح دائماً.

 

بقلم رمزي الغزوي


المراجع

addustour.com

التصانيف

صحافة   رمزي الغزوي   جريدة الدستور   العلوم الاجتماعية