(يلنجي)

 

رغم النصيحة الزراعية العظيمة، التي لا يفتر أبي يرددها على مسامعنا بشيء من العتب، من أن كل عنقود عنب يحتاج أن يبقى حوله عدد كبير من الورقات اليانعة والقوية، كي تمده بالغذاء الوفير والأكسجين؛ ليكبر ويتكور ويحلى كما ينبغي، رغم تلك النصيحة الجوهرية والمنطقية، إلا أن شجرة العنب التي تعرش فوق شرفة بيتنا لا تسلم من التوريق الدائم، بل تظل نهباً لكل الأيادي النسوية.

ولا عجب في تعرية تلك الأشجار المتعربشة من أوراقها، فالكل مغرم وشغوف بطبخة ورق الدوالي الموسمية اللذيذة، ولهذا فقلما تجد دالية بيتية تسلم من هجوم مباغت ينزع عنها أوراقها، ولسنا وحدنا من يقترف هذا الحب والشغف بهذه الأكلة، ففي اليونان وتركيا والعراق يسمونها (الدولمة)، على ما أظن، وفي سوريا ولبنان تدعى (يبرق)، وأنا كنت أسميها في طفولتي: رز مُقمَّط، ربما لأني كنت أشاهد أمي والجارات يجتمعن ويقضين الساعات في تقميط ولف الرز المخلوط باللحم المفروم والفلفل الاسود والنعناع الناشف.

البعض ما زلوا يعدونها من المقبلات، ولا تشكل لديهم وجبة كاملة الدسم، حتى لو كانت مدعمة بشرائح لحمة الأضلاع، أو صدور الدجاج، أما الكثير منا فهي لديهم أهم الوجبات وأغلاها فينتظرون مواسمها بكل حب، ولا يكتفون بذلك، بل يعمدون إلى تجميد الورق لقابل الأيام، أو تخزينة في عبوات منزوعة الهواء لحين إشتهاء.

الأخوة السوريون الذين يتخذون هذه الأكلة، في كثير من الأحيان على سبيل المقبلات العبرة للوائد، ويسمونها إذا كانت بلا لحم (يلنجي)، أي محشي كاذب أو وهمي، على إعتبار أن العرب لا تكتمل أشياؤهم بلا (هبر). وأينا كانت الحشوة، فأنا أرثي حال الزوجات والأمهات والأخوات، لأن الوقت المسلوخ والمنهوب في تحضير ولف الدوالي، والعناء المرافق لذلك، يتبدد بدقائق في لذة الالتهام. فشكرا لتلك الأصابع الحريرية.

بعيداً عن ورق العنب ومحبته، طالما همست في بالي: لماذا ظلت عناقيد مشاريعنا الكبيرة والمعول عليها، والمؤمل بها، لماذا ظلت حصرماً خالصاً؟. هل كثرة الأيادي التي سحبت الأكسجين والغذاء منها، بفعل التوريق الجائر والمستمر هي رأس الأسباب؟. أرجو أن لا تأخذوا على بالكم كثيراً، ولا تنغصوا موسمكم بهذا المشاكسة. فسؤالي سؤال (يالنجي) ليس إلا.

 

بقلم رمزي الغزوي


المراجع

addustour.com

التصانيف

صحافة   رمزي الغزوي   جريدة الدستور