لم يسبق للدولة العربية ان حملت مثل هذه الاسماء او اضيف اليها مثل هذه الاوصاف فهي كما قدّمت وكُتب عنها خلال العقد الاخير رخوة، منتحرة، مستباحة، باترياركية واخيرا ما قبل الدولة، وقد جاءت هذه التصنيفات من مختلف الاقطار العربية وباقلام مثقفين من مختلف الاطياف السياسية والايديولوجية.
فهل هي حقا كذلك؟ وهل من الممكن اطلاق صفة واحدة على اكثر من عشرين دولة الا اذا كانت هناك قواسم مشتركة؟
وقبل اربعين عاما كتب الشاعر ادونيس: لن نعرف حرية ما دامت الدولة موجودة، ورغم ان هذا المعنى ورد في سياق شعري الا ان دلالاته الفكرية واضحة. والمفارقة ان هذه الاوصاف للدولة التي تحولها الى عبء وباتريارك يعتاش على عرق ابنائه يقابلها تطلع شديد الى الدولة ممن عاشوا بدونها كالفلسطينيين مثلا، فالدولة بالنسبة اليهم حلم، لكن هل سيقولون الشيء ذاته عنها بعد انجازها؟
ان النظم السياسية العربية رغم ما يمكن رصده من قواسم مشتركة بينها تبقى خارج هذا التجانس الافتراضي، ليس فقط من حيث شكل الحكم وصيغته او درجة مشروعيته بل من خلال الاختلاف في البنية التي ادت الى نظام اوتوقراطي في مكان ونظام شبه ثيوقراطي في اخر.
وما كان العرب ليشعروا بهذا الضيق من مفهوم الدولة الا بعد ان يئسوا من تحقيق منجز مدني ديمقراطي يحولهم الى مواطنين وليس مجرد ركام بشري او رعايا. مفهوم الدولة المستباحة على الاقل بالمعنى الذي كتب حوله اللبناني محمود حيدر يتأسس على ما طرأ من تغيرات جذرية ودراماتيكية على مصطلح السيادة، ففي العقود الثلاثة الاخيرة لم تعد السيادة وفق التعريف الكلاسيكي موجودة بالفعل وكانت الحرب على الارهاب بهدف تجفيف ينابيعه اضافة الى الحروب الاستباقية التي تسمى حروب ما بعد الحداثة، هي المجال الحيوي الذي خسرت فيه الكثير من الدول سيادتها بالمعنى الدقيق، فالحرب البادرة اتاحت للكثير من دول العالم الثالث ان تراوح على هامش بين القطبين المتصارعين لهذا كان لها تسعيرة سياسية، سرعان ما فقدتها بعد ان حسمت تلك الحرب لصالح قطب واحد.
ومن المفارقات ان مصطلح الدولة في ثقافتنا ولغتنا يرتبط بعدم الثبات، واحيانا تأتي كلمة يزول كمرادف للزوال.
لهذا قال الشاعر ان الايام كما شاهدها دول.. من سره زمنه ساءته ازمان.
لكن مصطلح الدولة في لغات اخرى وفي مقدمتها الانجليزية يعني الثبات والاستقرار ولان مثل هذه القراءات الحفرية تصيب بعض الناس بضيق التنفس فمن الافضل ألا نتورط بها، ونعود الى ما وصفت به الدولة العربية الحديثة من نعوت تعني في نهاية المطاف انها ليست متماسكة بالقدر الكافي، وليست راسخة او ذات سيادة فعلية. ما نخشاه دائما هو الخلط سواء كان مقصودا او غير مقصود بين النظام والدولة، وهذا ما حذر منه مفكرون وساسة مصريون غداة الحراك الذي اسقط النظام واوشك ان يفكك الدولة
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة خيري منصور جريدة الدستور
login |