في واحدة من أشهر الكوميديات المسرحية العربية في سبعينات القرن الماضي كانت احدى العبارات الأكثر تداولاً على الصعيد الشعبي هي عليك أن تكون في البرازيل لتعرف ما يحدث في ايطاليا، لكن الواقع السياسي العربي تعهد تحويل الكوميديا الى تراجيديا أو العكس، حيث تحول الى مسلسل من شرور البلايا التي تضحك حتى البكاء أو تبكي حتى الضحك.
والآن عليك أن تكون هناك كي تعرف ما الذي يجري هنا، واتصالاتي المستمرة مع أصدقاء من مختلف الشرائح والفئات والأحزاب في مصر تؤكد لي يومياً أنني هنا أعرف أكثر مما كنت سأعرف هناك، وهذا ما عبر عنه رولان بارت بشكل بالغ الطرافة حين قال أن المكان الوحيد الذي لا ترى فيه برج ايفل هو البرج ذاته عندما تكون في داخله. فالاستغراق في اي فعل يحرمنا من المسافة الضرورية لقراءته، ومن يلصق أنفه على لوحة لن يرى منها غير مساحة داكنة مبهمة وبلا ملامح.
وحين نقرأ تقارير عن منسوب الشفافية في هذا البلد أو ذاك من عالمنا العربي شديد الكثافة فيه شيء آخر تماماً. لأن عقلنا وذاكرتنا سرعان ما يذهبان بنا الى ما هو شفاف سواء من الثياب أو من جلد أبو بريص الذي لا يخفي أحشاءه، وأحيانا نتذكر تلك الطرفة السوداء التي تداولها الليبراليون في الستينات من القرن الماضي وفي ذروة الحرب الباردة وهي حوار جرى بين سوفيتي وأمريكي قال الأمريكي أستطيع في بلادي أن أقول ما أشاء عن البيت الأبيض. فأجابه السوفيتي وأنا أيضاً كذلك، أما الكرملين فقد بقي خارج الحوار.
لهذا نحن نقول ما نشاء عن هناك اذا كنا هنا ونقول ما يعنّ لنا عن هنا عندما نكون هناك، وتلك هي لعبة المعارضات السياسية العربية، ففي بغداد كنت تقول ما تريد عن دمشق والعكس صحيح أيضاً.
لهذا فالمسألة احيانا ضرورية، لان الاستغراق يحرمنا من رؤية المشهد بانورامياً ومن مختلف زواياه، وما يدور بيني وبين اصدقائي في القاهرة يؤكد لي ان من يلصق أنفه باللوحة لا يرى غير بقعة سوداء، فالاحداث متسارعة بشكل محموم. واللهاث بلغ أقصاه والارهاق العاطفي والعصبي بعد عامين أوشك ان يفسد الحواس كلها.
اما أطرف ما سمعته من صديق مصري مثقف, فهو انه بمناسبة التصويت على دولة فلسطين كمراقب في الامم المتحدة لن يتقدم بالتهنئة لانه ابن دولة عمرها سبعة الاف سنة, لكنه يحسد من ليس لديهم دولة، لان الطريق الى الدولة افضل وابهى من وصولها اذا كانت من طراز ما انجزه التوأمان الاستعماريان سايكس وبيكو
فهل اصبح قدرنا ان نتحرك كبندول الساعة بين هنا وهناك، لكي نعرف ما الذي يجري حيث لا نوجد باجسادنا وانفعالاتنا وشغفنا بالنجاة من طلقة خرطوش أو حجر أو قنبلة غاز مسيل لما هو أبعد من الدموع.
هكذا نضحك بملء الفم على ما يبكي ونبكي حتى تدمى العيون على ما يضحك, لاننا كبشر لا نستطيع ان نكون هنا وهناك في اللحظة ذاتها.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة خيري منصور جريدة الدستور
login |