مجيد الصائغ
للصديقة دور كبير وخطير في حياة المرأة ولا يمكن لها أن تعيش من دون صديقات في دنيا الحياة بحسب المتعارف لأن الإنسان اجتماعي بطبعه فهي تسعى إلى تكوين صداقات مع عدد من النساء تجتمع بهن ويجتمعن بها تزورهن ويزرنها. تشاركهن همومهن ويشاركنها همومها، تساعدهن ويساعدنها وتستشيرهن في أمورها العائلية والبيتية ويستشرنها كذلك...
وقد تعرض القرآن الكريم للصديق في أكثر من موضع.
فقال سبحانه وتعالى: (فَما لَنا مِن شافِعينْ وَلا صَديق حَميمْ)(الشعراء/100-101).
وقال سبحانه وتعالى: (أَوْ صَديقِكُمْ)(النور/61).
فإن الصديق إذا كان صالحا يكون نافعا، وإن الحميم إذا كان صالحا شفع.
وفي الآية الثانية (أو صديقكم) فقد قرن الله تعالى بهذه الآية الصديق بالقرابة المخصصة الأكيدة، وفي المثل المعروف:
أيهم أحب إليك أخوك أم صديقك؟
قال: أخي إذا كان صديقي.
عن الإمام جعفر الصادق (ع) قال: "أكثروا من الأصدقاء في الدنيا فإنهم ينفعون في الدنيا والآخرة؛ أما في الدنيا فحوائج يقومون بها وأما في الآخرة فإن أهل جهنم قالوا: فمالنا من شافعين ولا صديق حميم".
وعن أمير المؤمنين (ع) قال: "أعجز الناس من عجز عن اكتساب الإخوان وأعجز منه من ضيع من ظفر به منهم".
وعن الإمام الصادق (ع) قال: "إن عليا (ع) كان يقول: لقيا الإخوان مغنم جسيم".
صفات الصداقة الصالحة
الدين الإسلامي بأصوله وتشريعاته هو دين الفطرة وهذا أمر معروف منه لا يحتاج إلى إثبات والصداقة والعشرة قد جبل عليهما الإنسان تكوينيا، فهو دين العشرة وليس دين العزلة والرهنة لأن خالق الإنسان وطبيعته هو نفسه المشرع الحكيم الذي لا يناقض نفسه. فلا بد أن يكون تشريعه لنظام حياة الإنسان منسجما مع تكوينه له.
قال سبحانه وتعالى: (وَاعْتَصمُوا بحَبْل الله جَميعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمةَ الله عَلَيْكُم إذْ كُنْتُم أعْداءً فَألَّف بَيْن قُلُوبِكُمْ فأصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إخْواناً)(آل عمران/103).
وقال سبحانه وتعالى: (إنَما الْمؤْمِنُونَ إخْوَةٌ)(الحجرات/10).
فالصديق والصديقة هم أخوان في الله وبالذات المؤمنين الذين هم كالجسد الواحد وقد عنى الإسلام كثيرا بعلاقات الأصدقاء والأصحاب والإخوان، بل هو يدعو إلى التآخي والتواد والتراحم.
قال الرسول الله (ص): "إن المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا".
وقال رسول الله (ص): "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو ترامى له سائر الجسد بالسهر والحمى"
وقد بين الدين الإسلامي الحنيف أصناف الأصدقاء ومن تجوز صحبتهم وصداقتهم ومن لا تجوز، وبين فوائد ومنافع هؤلاء وأضرار ومفاسد هؤلاء ووضع قواعد وطرقا لاتخاذ الأصدقاء، فمن يعمل بها ينجح بعلاقته وصداقته، ومن عمل بعكسها فسوف يفشل بعلاقته مع أصدقائه ولو بعد حين.
ولذا كان من أهم عوامل نجاح الصداقة والأخوة أن تهتم المرأة بصفات من تريد مصاحبتها وبناء علاقة أخوة معها.
فالصديقة إما أن تكون صالحة فتنتفع بها من تصادقها وتؤدي صداقتها إلى ما فيه خير للمرأة في الدنيا والآخرة وتكون سببا لدخول الجنة.
وإما أن تكون فاسدة فتتضرر من صداقتها وتؤدي إلى ما فيه شر للمرأة في الدنيا والآخرة، وتكون سببا في دخول النار وإن كانت هي في نظر نفسها أو نظر صديقاتها صالحة مخلصة تريد المصلحة لهم.
وللصحبة والعشرة تأثير ملموس وبالغ في سلوك المتصادقين؛ فالأخلاق والعادات والأفعال المكتسبة كثيرا ما تحصل بتأثير الصحبة حسنها وسيئها وإن اكتسابها كثيرا ما يكون غير إرادي وغير شعوري.
عن أمير المؤمنين (ع) قال: قال رسول الله (ص):
"انظر من تحادثون فإنه ليس من أحد ينزل به الموت إلا مثل له أصحابه إلى الله فإن كانوا خيارا فخيارا وإن كانوا شرارا فشرارا وليس أحد يموت حتى تمثلت له عند موته".
وعن أبي الحسن (ع) قال: قال عيسى (ع):
"إن صاحب الشر يعدي، وقرين السوء يردي، فانظر من تقارن".
وعن أبي عبدالله الصادق (ع) عن أبيه (ع) قال: قال لي أبي علي بن الحسين (ع): يا بني انظر خمسة فلا تصاحبهم ولا تحادثهم ولا ترافقهم في طريق. فقلت يا أبه من هم؟ عرفنيهم...
قال: إياك ومصاحبة الكذاب، فإنه بمنزلة السراب يقرب لك البعيد ويبعد عنك القريب.
وإياك ومصاحبة الفاسق، فإنه بايعك بأكلة وأقل من ذلك.
وإياك ومصاحبة البخيل، فإنه يخذلك في مال أنت أحوج ما تكون إليه.
وإياك ومصاحبة الأحمق، فإنه يريد أن ينفعك فيضرك.
وإياك ومصاحبة القاطع لرحمه، إذ وجدته ملعونا في كتاب الله في ثلاثة مواضع:
قال الله (عز وجل): (فَهَلْ عَسَيْتُمْ إنْ تَوَليْتُمْ أنْ تُفْسِدُوا في الأرضِ وَتُقَطِّعُوا أرْحامَكُمْ أولئكَ الَّذين لَعَنَهُمُ الله فَأصَمَّهُمْ وَأعْمى أبْصارَهُمْ)(محمد/22-23).
وقال: (وَالَّذينَ يُنْقُضُونَ عَهْدَ الله مِنْ بَعْدِ ميثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أمَرَ اللهُ بهِ أنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ في الأرْضِ أولئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ ولَهُمْ سُوءُ الَّدارِ)(الرعد/25).
وقال في سورة البقرة: (الَّذينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللهِ مِنْ بَعْدِ ميثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أمَرَ اللهُ بِهِ أنْ أنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأرضِ أولئِكَ هُمُ الخاسِرُونْ).
عن الإمام أبي جعفر (ع) قال:
"اتبع من يبكيك وهو لك ناصح، ولا تتبع من يضحكك وهو لك غاش. وستردون إلى الله جميعا فتعلمون".
وعن أبي عبدالله الصادق (ع) قال:
"لا تكون الصداقة إلا بحدودها فمن كانت فيه هذه الحدود أو شيء منها فانسبه إلى الصداقة ومن لم يكن فيه شيء منها فلا تنسبه إلى شيء من الصداقة:
أولها: أن تكون سريرته وعلانيته لك واحدة.
الثانية: أن يرى زينك زينه وشينك شينه.
الثالثة: أن لا يغيره عليك ولاية ولا مالٌ.
الرابعة: أن لا يمنعك شيئا تناله مقدرته.
الخامسة: وهي تجمع هذه الخصال:- أن لا يسلمك عند النكبات".
هذه الأحاديث الشريفة تدل دلالة واضحة على مدى اهتمام الإسلام ومعاشرة المجتمع الإنساني فيما بينهم وبين أن الإخوان صنفان: إخوان الثقة وإخوان المكاشرة كما قال أمير المؤمنين (ع):
"فأما إخوان الثقة فهم كالكف والجناح والأهل والمال. فإذا كنت من أخيك على ثقة فابذل له مالك ويدك وصاف من صافاه وعاد من عاداه واكتم سره وأعنه وأظهر منه الحسن؛ فهم أعز من الكبريت الأحمر.
وأما إخوان المكاشرة: فإنك تصيب منهم لذتك فلا تقطعن ذلك منهم ولا تطلبن ما وراء ذلك من ضميرهم، وابذل لهم ما بذلوا لك من طلاقة الوجه وحلاوة اللسان".
حتى بلغت عناية الإسلام بالصحبة أن لا تجالس المؤمنة إلا الصالحات وأهل الخير والمروءة ومكارم الأخلاق والعلم والأدب لأنها تنتفع بمجالستهن ويزداد علمها وإيمانها وعملها الصالح، ونهى عن مجالسة أهل الشر وأهل البدع ومن تغتاب الناس أو يكثر فجرها وفسوقها ونحو ذلك.


المراجع

aldhiaa.com

التصانيف

مرأة   العلوم الاجتماعية