تصريحات اسماعيل هنية الاخيرة التي وصف فيها حكم حماس لغزة على انه حكم مؤقت. قد يرى فيه البعض بداية التراجع من حماس عن مواقفها واستجابتها لشرط السلطة الفلسطينية بإنهاء ما تسميه السلطة "انقلابا"، مقابل بدء الحوار، لكن هذه التصريحات فيها ما هو اهم من تراجع حماس وهو فتح الابواب امام انهاء حالة الشرذمة والانقسام الفلسطيني، وربما الرأفة بالشعب الفلسطيني الذي دفع ثمنا كبيرا للخلاف بين فتح وحماس.
شعب غزة الذي يقع تحت حصارين، اول المستفيدين من اي حوار وتفاهم فلسطيني داخلي، فالحصار الصهيوني والاجتياحات المتتالية مستمر منذ سنوات، لكن غزة وشعبها ذاقت معاناة وجوعا نتيجة الحرب التي لم تتوقف حتى الآن بين فتح وحماس، وكل حريص على فلسطين، قضيةً عربيةً اسلاميةً، سيفرح بأي خطوة لإنهاء الانقسام؛ فما جري خلال الشهور الماضية اهدر كثيرا من التعاطف مع القضية الفلسطينة وأظهر القوى الفلسطينية المتصارعة يصورة رديئة وعقلية مراهقة، وهي تترك المحتل وعدوانه وتتصارع على وهم السلطة.
وفي قضية، مثل قضية فلسطين، لا يمكن لأي متابع ان ينحاز الى اي فعل او موقف فصائلي حتى لو كانت قناعاته بأن طرفاً اقرب الى الصواب، والسبب ان الانحياز فقط لا يجوز الا للمصلحة العليا الفلسطينية؛ قضية صراع مع عدو محتل. وأي طرف أقرب الى الصواب فإن كلا الطرفين كان غارقا في الخطأ عندما ارتضيا الحديث بلغة السلاح والقتل والمطاردة وإراقة الدم الفلسطيني. هذا الدم الذي سمع العرب والفلسطينيون الكثير عن انه خط احمر، لكننا جميعا اكتشفنا ان لونه فقط هو الاحمر، عندما شاهدناه يسيل في شوارع ومستشفيات غزة.
بعيدا عن كل ما جرى؛ فإن الحلم ان يكون ما تحدث عنه هنية من حوار قادم امر حقيقي، والحلم الاكبر ان يكون حوارا حقيقيا تحميه النوايا المخلصة، التي لو توفرت في فرصة ذهبية مثل اتفاق مكة لما وصلت الامور الى ما هي عليه الآن.
اذا كان حكم حماس لغزة مؤقتا، كما قال اسماعيل هنية، فهذا بداية ايجابية، وعلى حماس ان لا تخاف من اي اوصاف قد تلحق بها بأنها تراجعت او اعترفت بخطأ ما فعلت، وعليها ان لا تتوقف عند اي تحليلات ستصف هذا الموقف بأنه اعتراف بالعجز عن حماية الناس من الحصار، فما هو اهم من كل هذا أنّ القضية الفلسطينية ستكون المستفيد الاول من اي توافق جاد، وسيكون الشعب الفلسطيني سعيدا اذا خرج من تجربة مأساوية استنزاف الفلسطيني اخاه، وتحولت البندقية من هدفها المقدس في المقاومة الى مهمات رديئة لاستهداف الاشقاء.
بعد تصريحات هنية ننتظر الخطوة التالية، وعلى قيادة السلطة ان لا تفشل اي فرصة للخروج من الوضع المأساوي الحالي، وعلى حماس ان تستمر حتى لو كان الثمن انهاء هذا الحكم المؤقت عما وصفه هنية، ففلسطين اهم من فتح وحماس، والفصائل والسلطة ليست اكثر من وسائل لمواجهة الاحتلال واستعادة الحقوق.
من السهل ممارسة الاصطفاف في قضية خاسرة مثل الاقتتال الفلسطيني الداخلي، لكن الأصعب هو الاصطفاف خلف المصلحة العليا لفلسطين وتجنيب الشعب الفلسطيني معاناة وحصارا وقلقا يضاف الى ما يعانيه من الاحتلال الصهيوني، وهذا الاصطفاف يحثنا لدعوة الطرفين الى تقديم تنازلات من الطرفين لأنه تنازل لمصلحة فلسطين، بينما كان الاقتتال في مصلحة الاحتلال.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد سميح المعايطة