الارتفاعات المتتالية على أسعار النفط عالمياً منذ حوالي عام، والارتفاعات المتوقعة خلال المراحل القادمة, وبخاصة اذا دخل العالم او المنطقة في ازمات او نزاعات سياسية او عسكرية, فرضت على واقعنا العربي مشهدا من جزأين..
المشهد الاول لدول عربية نفطية ازدادت ايراداتها المالية نتيجة الارتفاعات المتتالية، ووفرت لها فائضاً كبيراً من الاموال يضاف الى الموارد المالية التي كانت تأتيها من بيع المنتجات النفطية، وهذا حق لهذه الدول وشعوبها، فهي ثروات منحها الله تعالى لها ومن حقها ان تستفيد منها وتتمتع بها.
اما المشهد الثاني فهو الدول او الشعوب العربية غير النفطية وهي كثيرة في عالمنا العربي التي انهكتها ارتفاعات اسعار النفط العالمية واتبعتها ارتفاعات السلع في اسواق العالم وفرضت عليها ثمناً معيشياً وسياسياً كبيراً، والامر لا يقتصر على دولة او اثنتين، بل عددها كبير منها مثل مصر والاردن واليمن ولبنان وغيرها من الدول. فهذه الدول كانت وما تزال فقيرة الموارد او لديها مشكلات اقتصادية، لكن ما يجري في اسواق النفط والسلع المختلفة واختلاف اسعار الصرف للعملات زاد من مشكلاتها وعمق ازماتها.
لن نذهب بعيداً في الخيال التضامني العربي، لكن هنالك امور يفترض ان يتم التفكير بها جيداً ومنها مثلاً ان تقوم الدول العربية النفطية ببيع النفط للاشقاء من العرب الفقراء "نفطياً" بسعر تفضيلي. وان لا تكون اقتصاديات الدول الفقيرة عرضة للاهتزاز والتأثر سياسياً وشعبياً مع صباح كل يوم يحمل سعراً جديداً. والسعر التفضيلي يحفظ للدول النفطية حقها في الاستفادة من نفطها. ويجعل المساعدة على شكل اتفاق تجاري وليس مساعدات. فما يضير الدول النفطية ان تبيع للعرب غير النفطيين بسعر (70) دولارا للبرميل, وهو سعر ليس قليلا، لكنه يُقدم دفعة استقرار سياسي واقتصادي للدول والشعوب غير النفطية؟
هنالك دول نفطية تقدم مساعدات لدول غير نفطية، وهذا امر يقدر لها وتشكر عليه. لكننا نتحدث عن علاقات منهجية، لأن معظم العرب النفطيين لا يقدمون اي عون للدول الفقيرة. وهنا نستحضر مقولة بأن "الجار الجائع خطير". فالقضية ايضاً فيها مصلحة للاستقرار الاقليمي الذي لا يتأثر فقط بالحروب والنزاعات المسلحة، بل يتأثر ايضاً بالاضطراب الاقتصادي.
"الجار الجائع" لا يجوز ان يبقى كذلك وجاره متخم بالرفاه، سواء بمنطق الاخوة او حتى المصلحة المباشرة للجائع والشبعان على حد سواء، وصعوبة المراحل الحالية على الدول والشعوب الفقيرة تجعل حاجتها الى مساعدات او حلول سريعة التأثير ضروريا. فلم يعد يكفي ان يأتي مستثمرون عرب الى بلد لإنشاء بعض المشاريع لحل مشكلات هذه الدول والشعوب، ولم يعد شراء اسهم في شركات الدول الفقيرة يمثل اضافة نوعية لاقتصادها, فالأمور تصل في مراحل الضيق الى درجة كبيرة على الناس والحكومات الفقيرة.
"الجار الجائع" ليست قضية داخلية لهذا الجار، بل حالة اقليمية يتأثر بها الجميع، ونتمنى ان لا تتوسع الفجوة بين من يزداد غنىً وثروات بفعل ارتفاع اسعار النفط كل يوم، وبين جزء عربي آخر يدفع كل يوم فاتورة سياسية واقتصادية مع تداول اسعار النفط في الاسواق.

المراجع

alghad.com

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   سميح المعايطة   العلوم الاجتماعية