ظلّ أدب الأرض الفلسطينية المحتلة يقيم على الصعيد القومي العربي في منطقة نائية ومهمشة ، حتى عام 1967 ، حيث حدث الانفتاح الجغرافي الفلسطيني بسبب الاحتلال. وقد كان العمل الإبداعي الفلسطيني الخاص في عرب الأرض المحتلة عام 1948 يعيش ، قبل ذلك ، حالة مزرية من الاعتقال ، وكانت القصيدة أو القصة القصيرة ، أو الرواية ، تبدو ، داخل هذا السياج المحتل ، كأنها حادثة بيتية مصابة بالكساح ، ولا تقوى على القفز عن "الجدار العبري" ، الذي يُسيج هذا الأدب ، ويخنق فعالية امتداده العربي. هذا بالإضافة إلى حالة "التكهرب" التي كان يعيشها العالم العربي من أدباء يحملون الجنسية الإسرائيلية ، على اعتبار أن الفلسطيني المبدع ، فوق أرضه الفلسطينية ، اختار الجنسية الإسرائيلية طوعاً ، وليس قهراً واحتلالاً.
ويمكن القول إن فكرة نهوض الثورة الفلسطينية منذ مطلع السبعينيات من القرن الفائت ، هي التي أدت إلى أنْ يجاهر مبدع الأرض المحتلة باسمه ، وأن الثورة الفلسطينية كانت ، بكوادرها السياسية الناضجة آنذاك ، هي التي استطاعت أن تقفز عن فكرة جواز السفر الإسرائيلي لتمنح بعض هؤلاء المبدعين لقب شعراء المقاومة وكتابها ، إلى الدرجة التي تحول فيها هؤلاء الكتاب ظاهرةً إبداعيةً متميزة لا في الأدب الفلسطيني فقط ، بل في الأدبين العربي ، والعالمي معاً.
وقد كان لهذه النافذة التي منحتها الثورة الفلسطينية ، وبعض الأنظمة العربية ، الفعل السحري في تحريك القوى الإبداعية عند المبدع الفلسطيني المقيم بجواز سفر إسرائيلي فوق وطنه ، وفي تجديد الدم العربي المقاوم في عروقه ، وهو ينافح عن هويته الأصيلة ، ضد هوية العدو.
من هنا بدأ الأدب الفلسطيني المقاوم يقدم لنا أسماء إبداعية مثل الشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش ، الذي قدم أعمق القصائد الإنسانية المقاومة ، والذي جهر بهويته حين صاح في قصيدته ذائعة الصيت قائلاً: "سجل أنا عربي". وفي المقام ذاته نستذكر الشاعر المُجدَّ والمبدع سميح القاسم ، الذي قدم أجمل القصائد المقاومة ، وتبعه الشاعر توفيق زياد بقصائده المقاومة والملتزمة ، وتبعهم في السرد الروائي الراحل اميل حبيبي.
وظلت الأسماء الإبداعية الفلسطينية تتوالى في الحضور الفلسطيني والعربي والعالمي. لكنّ الأدب الفلسطيني الخاص بعرب عام 48 - منذ تشريد الثورة الفلسطينية من بيروت إلى تونس إلى دولة السلطة التي أنتجتها اتفاقية أوسلو - ظل يعيش حالة تراجع ، من حيث الدعم القوي لحضور مبدعيه عربياً ، وحيث عاد النتاج الإبداعي الخاص بهم يبدو كأنه حادثة مدرسية أو بيتية ، وعادت النظرة المكهربة عربياً إليهم من جديد ، على اعتبار التعامل معهم جزءاً من حملة التطبيع مع العدو الصهيوني.
نعم ، إن حبل المشيمة الذي كان يربط الثورة الفلسطينية مع هؤلاء الكتاب قد انقطع ، وصاروا يعيشون يتماً خاصاً بهم ، في أي فعالية يحاولون القيام بها عربياً. وعلى الجانب الآخر ، بدأت إسرائيل بتقديم الإغراءات الخاصة لهم في النشر ، حتى لا تتكرر ظاهرة الأدب المقاوم مرة أخرى.
وعليه ، فإن على الجهات الثقافية العربية ، من مؤسسات وروابط ودور نشر ، أن تقف وقفة داعمة لهؤلاء الكتاب الذين ما زالت أرواحهم تنبض بالحرف العربي.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة خليل قنديل جريدة الدستور