صاحب هذه القصة ليس نجما سياسيا أو إعلاميا أو ثريا أو وجيها. وأنا لا أعرفه ولم ألتقِ به، لكن اسمه ورد في قصة سمعتها من مواطنة أردنية فاضلة اتصلت معي لتروي حادثة تعرضت لها، ولترد الجميل لمن يستحقون، ولأنها تؤمن، مثلما يجب أن نؤمن جميعا، أن الإنصاف والمهنية تقتضي منا أن نقول للمخطئ أخطأت وللمحسن أحسنت.
هذه السيدة تعرضت قبل أيام إلى حادث سرقة أو (نشل) في وسط العاصمة، بينما كانت في السوق مع ابنها صاحب السنوات العشر، وفقدت محفظتها التي تحتوي على وثائق شخصية ونقودها. فتوجهت إلى مركز الأمن القريب لتقدم الشكوى، وكما تقول فقد تم استقبالها بكل احترام واهتمام من رجال الأمن أو البحث الجنائي، وقدموا لها ولابنها الماء والعصير لتهدئة روعها من الصدمة، ثم قدمت الشكوى وقبل أن تغادر أخرج رجل الأمن، عزمي البطوش، من محفظته عشرة دنانير وقدمها للسيدة لتدبر أمرها بعدما فقدت نقودها ولتصل إلى بيتها، وعندما اعتذرت، طلب منها أن تأخذ النقود وتعيدها عندما تراجع المركز الأمني لتأخذ أوراقا يجب أن تقدّمها لدائرة الأحوال المدنية.
تقول هذه السيدة إنها صُدمت من هذه المعاملة، وأن طفلها بعدما خرج من المركز الأمني كان سعيدا بالشرطة، بخلاف الصورة النمطية للشرطة في أذهان الأطفال -في العديد من الدول-، فالأهل يخوّفون أطفالهم من الشرطة. طبعا مصطلح الصدمة الذي استخدمته السيدة ربما يعود إلى أنها لم تتعامل مع رجال الأمن، وتحديدا الفئات الواسعة منهم الذين أصبحوا على سوية عالية من التعليم والتأهيل.
ما فعله عزمي ليس اختراعا بل هو جزء من أخلاقنا الأردنية القائمة على الشهامة وإغاثة الملهوف. لكنه إضافة إلى ما يستحق عليه من شكر بشكل شخصي قدم صورة جميلة للطفل وأمه، ولنا جميعاً، عن السلوك الجميل لرجل الأمن. ولو اتصلت السيدة لتشكو من سلوك مغاير لكتبنا ناقدين مطالبين بالتصحيح، ولهذا فعندما نجد السلوك القويم والخلق الكريم فإن من واجب المواطن وواجبنا في الإعلام أن نشد على أيدي كل صاحب فعل كريم، وأن نشكر للمؤسسة الأمنية أنّ فيها هذه النماذج الايجابية التي باتت السمة الغالبة فيها.
قد تكون الدنانير العشرة، التي قدمها رجل الأمن هي معظم ما في جيبه من مصروف عائلته، لكنه لم يقدمها للسيدة بل لنا جميعا. ولهذا تبدو الحاجة ماسة من قيادة هذا الجهاز الأمني أن تركز في تأهيلها لكوادرها على الجانب الأخلاقي والإنساني. فالمواطن على تماس دائم مع الشرطة، فهم في الشارع وعلى الطرقات وفي الملعب وفي كل مكان، وهم جهاز مجتمعي قريب من كل الناس.
أمّا الصورة السلبية عندما تصدر من أي فرد تتحول إلى حكاية في المجالس، وتصبح أيضا حكما على الجهاز حتى لو كانت فردية. والشرطي أهم من مدير الأمن العام لأن الناس تتعامل مع الشرطي والعريف والوكيل، بينما لا ترى المديرين إلا عبر الإعلام. فالشرطي هو الذي يرسم صورة الجهاز وليس كبار الضباط.
تحية لعزمي البطوش والجهاز الذي مثله خير تمثيل في ذهن المواطنة التي أصرت على أن من حق الأمن العام أن تُذكر هذه القصة، التي تعبر عن خلق كريم، وعلى من يقدم نموذجا غير إيجابي من رجال الامن وان كان سلوكا بسيطا أن يدرك أن المواطن قد لا يذكر شكله ولا اسمه، بل يشتكي وينتقد كل الشرطة حتى ممن لا يعجبهم سلوكه.
المراجع
الموسوعة الرقمية العربية
التصانيف
صحافة جريدة الغد سميح المعايطة