قبل فترة قرأت في إحدى الصحف العُمانية مقالا لكاتب عُماني "الأرض.. العَرض والعِرض". والمقال يتحدث عن جدل لدى الاشقاء حول مسألة بيع وتأجير الاراضي في عُمان للمستثمرين من دول خليجية اخرى.
هناك، كما في كل بلد، من يتعامل مع الامر وفق منطلقات اقتصادية بحتة، وآخر وفق معايير سياسية وعاطفية، وهي قضية تظهر في العديد من المجتمعات العربية لتباين في المدارس السياسية والفكرية والاقتصادية، وربما احيانا لأن من حملوا مسارات الإصلاح الاقتصادي بالغوا في عرض كل شي للبيع دون حسابات غير مالية، ولأن الناس في هذه المجتمعات رأت أن عمليات البيع والتأجير وما نتج عنها من اموال لم يتم الاستفادة منها بشكل حقيقي، وتحولت للانفاق، تماما مثل الممارسات الشخصية من البعض الذين باعوا أراضيهم في مراحل مختلفة، ثم تحولت أموالها إلى سيارات وملابس وترفيه، وأحيانا بيت بقرميد، لكن دون أن تتحول إلى مصدر رزق بعمل او نشاط اقتصادي او حتى تعليم الأولاد والبنات.
يبدو أنّ مصدر الجدل في المجتمعات العربية، ليس رفضا لاستثمار الموارد، بل لعدم الثقة بأن الأموال تتحول إلى حالة اقتصادية حقيقية، اي جزء من الضعف في منظومة الثقة بين المواطن العربي وحكوماته. فضلا عن قناعات ايضا لها علاقة بالمنطلقات السياسية لمن يتبنون نهج البيع والتأجير، وهم ليسوا من مدرسة واحدة، لأن كل المدارس من اليمين الى المحافظين والليبراليين مارسوا ذلك، لكن لكل شيخ طريقة. وهذا ما كان على الاقل في بلادنا.
وبعيدا عن السياسة، فإن هناك مسلسلات أردنية جميلة وقديمة، كان انتجها التلفزيون الاردني او شركة الانتاج يعرفها الاردنيون في زمن ما قبل "الستلايت". لكن التلفزيون مشكورا يعيد بث بعضها، ومنها ما كان قبل اسابيع من مسلسل شمس الأغوار، ومسلسل بير الطي، ومسلسل ام الكروم، وهي اعمال جميلة، ولها قضايا. منها مسلسلات تم بثها قديما مثل غريسا، وكلها تحمل مفهوما جميلا، وهو المحافظة على الارض من الضياع، وتتحدث عن المزارع الاردني، وكيف فقد ارضه وتقدم نموذجا ايجابيا لمثقف من استاذ المدرسة او طبيب المركز الصحي او رئيس البلدية، وكيف يقاوم استغلال المزارعين من قبل كبار التجار، الذين يريدون الاستيلاء على الارض وتحويلهم الى عمال في المدينة. ولعل الاستاذ محمود الزيود، من اكثر من كتبوا في هذا المجال، وقدّم أعمالا مكتوبة شاهدها الأردنيون، والعديد منها عُرض في محطات عربية.
هذه الأعمال الفنية، ربما كانت تعبيرا سياسيا واجتماعيا لمقاومة إهدار قيم ايجابية في المجتمع ظاهرها الزراعة وعدم بيع الاراضي، هي القيم التي تحاول الحكومات الآن بعثها من جديد.
ولعل فكرة عام الزراعة لا تتحقق الا بتحقيق ما كانت مسلسلات الثمانينات تتحدث عنه. ولو أعيد انتاج مسلسلات من ذات المدرسة اليوم لتحدثت ايضا عن الخصخصة وبيع اصول موارد الدولة، التي تضاءل امامها ما كان يقوم به مزارع في الأغوار وغريسا من بيع ارضه وشراء سيارة مرسيدس موديل (200 لف).
"الفكرة" قبل ربع قرن كانت بحدود ما كان يجري. لكن للأسف كثير من الأعمال الجديدة معنية بالغرام والقضايا التي يمكن ان تشاهدها بكل اللهجات العربية المنتجة للمسلسلات باستثناء بعض الطروحات الجادة.
وربما نحتاج إلى أعمال أردنية وعربية ذات أبعاد سياسية اجتماعية تعالج الجديد من القضايا وتمارس دوراً فكرياًً، او جزءا من المدرسة الاقتصادية -الاجتماعية التي تقف في وجه المدارس التي لا تؤمن بلغة الأوطان بقدر ايمانها بلغة الشركات والبزنس دون مراعاة للأبعاد السياسية والاجتماعية التي تحكم مسار المجتمعات اكثر من التنظير في قاعات، وبخطابات لا تتقن لغة الناس.
المراجع
alghad.com
التصانيف
صحافة جريدة الغد سميح المعايطة العلوم الاجتماعية