مازلت اتذكر ايقاع الصوت التربوي لمعلم القراءة الرشيدة ، وهو يتمختر بين مقاعدنا ، ويملي علينا مانكتب بأيد مرتعشة ، وهو يردد بصوت حازم :"نقطة.. ومن أول السطر". وبالفعل كنّا نضع النقطة ونظل بانتظار الاملاءات الجديدة كي نبدأ الكتابة من اول السطر.

وما زلت اذكر تلك المشية الطاووسية للمعلم وهو يعطينا ورقة كتب عليها بعض الجمل التي ليست مكتملة قائلاً لنا: املأ الفراغ الذي بين الجمل.

ان هذه الطواعية العمياء للمعلم في تعليمنا الكتابة ووضع النقطة والبداية في سطر جديد ، إضافة الى تعبئة الفراغ بين الجمل بكلمة هي موجودة في الأصل تتطلب من حفظها ووضعها في السياق المقترح علينا ، يجعلني وبعد كل هذا العمر ، أعتقد جازماً بأن الحياة التي نعيشها ونكد في تحقيقها صبح مساء ، ونتشاجر في سبيل تحقيقها ، هي عبارة عن حياة مفرغة تماماً من قوانا الحياتية الحقيقية. وان مانقوم به حقيقة هو المحافظة على ايقاع الحياة الرتيب ، والانضباط في وضع نقطة عند كل مفصل حياتي ، والعمل على البداية الحياتية الجديدة من أول السطر.

فعلنا هذا حينما قفزنا من المرحلة الابتدائية الى المرحلة الاعدادية ، وبدأنا من اول السطر الثانوي حتى اكمال دراستنا الجامعية ، ووضعنا نقطة وبدأنا من اول السطر الحياتي في العمل ، والبحث عن شريكة العمر. وحينما تقدمنا في العمر بدأنا من اول السطر الذي يستقبل كل الامراض المقترحة والمواظبة على الحمية وتحاشي كل المنغصات التي تدمر الصحة وتقود الى غرفة العناية المركزة. والمشكلة الحقيقية ونحن نبحث عن حسن الختام اننا اضعنا تلك النقطة القادرة على جعلنا نبدأ جملة مفيدة من أول السطر،

هذه المواظبة في الاستماع الدائم لذلك الهسيس الذي كان يطلقه معلم القراءة الرشيدة في اسماعنا تحول الى معاناة يومية ونحن نلهث وراء تحقيق النقاط الكفيلة باحالتنا الى الكتابة من أول السطر تحولت الى كابوس حقيقي ، استطاع بفعل المواظبة الموجعة ان يحولنا الى دمى معبأة سلفاً بالحياة الرتيبة المفرغة من متعة ابداع الحياة.

والأعتى من كل ذلك ان معلم القراءة الرشيدة تحول الى كابوس حقيقي وهو يفقه حياتنا باملاء كل الفراغات التي نحسها ونراها في جملنا الحياتية ، الى الدرجة التي بتنا فيها نصرخ مع ذاك الفنان الذي قال ذات مرّة بحسرة "اين هي الحياة التي قضيناها بالعيش؟"


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة  خليل قنديل   جريدة الدستور