اعتبارا من يوم أول أمس ، نجحت في تحقيق قسمي الذي أخذته على نفسي ، وانا أقف في وسط البلد واحمل بعض اكياس الخضار بانتظار اي تاكسي ، ولكن جميع السيارات التي مرت من أمامي ، كان السائق فيها يشيح بوجهه عني. ولأن الجو كان ممطراً ، فقد اضطررت لركوب باص المؤسسة الذاهب الى رغدان ، وحينما اخذت مقعدي في الباص وبدأ بالتحرك انزلق مني الكيس الممتلىء بحبات التفاح فرأيتها جميعها تتناثر بين أرجل الركاب ، وأخذ الركاب يلاحقون حبات التفاح المتدحرجة ، ويواسونني على هذا الارتباك الذي بدأت اعاني منه. ومن القهر الذي اصابني ، حملت اكياسي ونهضت مطالباً السائق بالتوقف. وحينما وجدت نفسي في وسط الشارع اتلقى الطرطشات المائية من السيارات التي تمر من امامي ، أقسمت ان احصل على رخصة قيادة سيارة.
قبل ايام ذهبت الى مبنى الترخيص عند الدوار السابع ، وقد هالتني هذه الروح الرفاقية التي يتعامل فيها رجال الشرطة على تنوع رتبهم مع بعضهم ومع المراجعين ، مثلما اذهلتني تلك السرعة في انجاز المعاملات وترتيب طرق تحقيقها ، بالرغم من كثرة المراجعين ، وخلال نصف ساعة كنت قد انجزت معاملتي بالكامل وقدمت الفحص النظري الذي كتب لي على جهاز الكمبيوتر عبارة "أنت ناجح".
وأول أمس ذهبت للفحص العملي حيث كنت أعتقد ان كارثة رسوبي هي في هذا المكان ، ذلك ان أكثر الحالات الذي اربكت حياتي عموماً ، وجعلتني أطلق المدرسة وجرسها النحاسي بالثلاث ، هو الامتحان ، وتلك العلامات التي كانت تكتب بقلم احمر في مربعات ما زلت اعتقد انها مربعات استعمارية.
الضابط الذي جلس بجانبي مصطحباً ضابط الصف الذي جلس في المقعد الخلفي ، تطلع الي بوجهه المشبع بلون ارض الاردن ، واحساسك بتلك العبارة الاردنية ، التي تطلق على الاصيل بقولهم "نشمي" ، الرجل كان من النشميين وهو يقول لي اسمع يا استاذ ، المهم في قيادة السيارة هو عدم الارتباك ، فلا ترتبك.
قلت له "حاضر" وبدأت بقيادة السيارة بثقة لم أعهدها في نفسي ، وبعد خمس دقائق عدت الى ساحة الفحص ، وقال لي افتح الباب وتعال. وحينما هبطت من السيارة ، ووقفت امامه قال لي :"انت سائق جيد والف مبروك اذهب الى الطابق الثاني كي تتسلم رخصة القيادة". وبحركة عفوية قبلت جبينه ، وبعد ساعة كانت رخصة القيادة في جيبي.
والشكر كل الشكر لدائرة السير وللقائمين عليها ولذلك الضابط "النشمي" الذي منحني ثقة نادرة تمنح كل من يستمع اليها النجاح. أقول هذا وانا اتذكر ذاك القهر الذي لازمني منذ تدحرج حبات التفاح في باص المؤسسة.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة خليل قنديل جريدة الدستور