بعض البرامج التلفزيونية الامريكية كانت تجعل احدى العائلات ترشح واحداً من الأبناء ليقيم مع عائلة تقطن في جغرافيا بعيدة، وبالمقابل تستقبل هذه العائلة أحد افراد العائلة التي تمت معها المبادلة في الاقامة، وكان البرنامج التلفزيوني يمنح المشاهد متعة متميزة ومثيرة وهو يرى تناقضات الاقامة بين العائلتين، واختلاف الطبائع والعادات الاجتماعية بين العائلتين.

واول أمس شاهدت على احدى الفضائيات فيلماً اجنبياً يتحدث عن معاناة امرأتين تعانيان من ضجر وجودي موحش، حيث تقيم احداهما في مدينة لوس انجلوس الامريكية بينما تقيم الثانية في الريف البريطاني في ضيعة مجاورة لمدينة لندن.

والمهم ان السيدتين كانتا تتواصلان عبر الانترنت وتتطرقان في احاديثهما لضجرهما الموحش حيث لا أحبة ولا عشاق ولا أصدقاء، لا بل ان احداهما كانت تعاني برغم حزنها الوجودي العظيم من عدم قدرتها على ادرار الدموع من عينيها لحظة البكاء. وفي لحظة توصلتا الى فكرة جنونية تقوم على ان تعطي كل واحدة منهما بيتها للاخرى كي تقيم فيه لمدة عشرة ايام.

وحين تم الاتفاق وذهبت كل واحدة لبيت الاخرى، كانت روعة الفيلم تكمن عند المخرج الذي برع في تصوير حالة الدهشة البيتية والمكانية عند كل واحدة لحظة دخولها البيت، حيث الجدران ذات اللون المختلف، والكنبات والصالة وغرفة النوم. لقد بدت كل امرأة منهما لحظة دخولها البيت وكأنها تمزق جلد بيتها الذي كانت تقطن فيه. البيت الذي أكل روحها بالمشاهدة والرتابة القاتلة، وكانت كل واحدة منهما لحظة دخول البيت تتنطنط وترقص كعصفور انعتق من قفصه للتو.

المهم ان خيالي قادني الى التفكر في بيوتنا الاردنية ذات الحجر المكحل، والنوافذ مسدلة الستائر بشكل يبدو وكأنه ابدي . وتلك الشرفات المشرعة للفراغ الهوائي الذي يعبرها ملامساً تلك النباتات البخيلة في نموها.

وقادني شعوري هذا الى اننا نعيش في بيوت» مُحجّبة» بالفعل. وأن هذه البيوت تحولت بفعل التعامل المزمن والرتيب معها الى جلود حجرية تغلف ارواحنا مثل صدفة بحرية سميكة.

وتطاول تفكيري وانا أتصور لو نقوم نحن في الاردن بتبادل البيوت لفترات زمنية قصيرة، بحيث يتم التبدل البيتي هذا بين عمان واربد، أو بين اربد والطفيلة.

الفكرة تبدو خرافية عند مجتمع يمتلك كل هذا التهجم غير المبرر. لكن الفكرة تبدو جديرة بالتطبيق وجرأة التعامل معها، ذلك ان مثل هذا التبدل البيتي يُعيد لبيوتنا طعمها الجميل الذي افتقدناه طويلاً


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة  خليل قنديل   جريدة الدستور