استطاعت ثقافة الصورة وبشكل متسارع من أن تلغي ذاك الانزواء الجميل بالكتاب واشتباك الأحرف وتلون حبرها. وصار الكتاب «عربيا» يقع في تلك الزاوية المهملة من البيت. وحدوث نقلتنا التي اعتبرها «لا حضارية» قد استطاعت ان تولد تدميرات وتداعيات تكاد تخلخل بنياننا المعرفي، وتفرخ لنا يومياً كل هذا الكم الهائل من الذين يدعون بالكتاب.
و على هذا الاساس صار يمكن لمن لم يقرأ كتاباً منذ سنوات عديدة أن يعتمد على قواه الذاتية في البحث عن الافكار والآراء على مواقع الانترنت ويقوم باحتلالها ليجيرها لصالح كتابته التي ولدت عرجاء في الأصل.
ان ثورة الصورة بقدر ما اعطتنا من سهولة في الحصول على المعلومات بقدر ما ابعدتنا عن الكتاب الذي أسس وما يزال لحضارت عديدة وانهضها من سباتها. حيث غدت الصورة التي تبث لنا المشهد والصوت معاً هي المشكل الرئيس لوعينا الجمعي.
وقد صار من السهل على «سين» من الناس أن يدعي انه يحمل لقب باحث ومختص في هذه القضية أو تلك، لكنه في الواقع عاش عمره وهو يناضل ضد فكرة اقتناء الكتاب. وهو يعتمد في اساس آفاقه التنظيرية على ما تيسر من معلومات تبثها بعض المواقع، كي تتحول هذه المعلومات الى مقالة أو ربما كتاب يكون دوره الوحيد فيها هو «اللضم» الذي يربط الافكار ببعضها.
كما صار من السهل ايضاً ان يكتب البعض الشعر مع انه لم يقم اساساً بالتواصل مع ارثه الشعري العربي والعالمي، مكتفياً بتلك القدرة الاحتلالية على المناخات الشعرية، وتجييرها لصالح موهبته الطارئة هذه.
والامر ذاته ينطبق على العديد من كتاب الزوايا الصحفية في الوطن العربي، حيث تتحول المواقع الاليكترونية عنده الى مضخ يمكن له ان يُسمن الفكرة ويمنحها عمقها الكاذب، ويجعله يبدو وكأنه صاحب الفكرة بالاساس.
ودائرة الدمار المعرفي تتسع اكثر كلما توغلنا في قراءة مشهد ثقافة الصورة، فالبعض صار يعتمد في رصيده المعرفي في السياسة والتاريخ على مضخ النشرات الاخبارية في الفضائيات.
ان مغنطتنا تجاه ثقافة الصورة الى هذا الحد جعلنا نفقد طعم القراءة الحبرية ونفقد ايضاً تلك الرائحة التي يمنحنا اياها الورق.
باختصار لقد تخلينا عن خير جليس وبقينا نحدق في الارتجافة المكهربة لشاشة الكمبيوتر. وهذه خسارة لا تعوض خصوصاً اذا علمنا بأن الغرب مازال يصطف بالطوابير امام بعض دور النشر ليحصل على النسخة الاولى من باب المطبعة.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة خليل قنديل جريدة الدستور