في بلاد العرب والمسلمين، ومنها بلادنا، يمتد رمضان أكثر من شهر قبل قدومه. ولا يكون الامتداد لغايات الاستعداد النفسي لدخول شهر عبادة، أو البحث عن كل الطرق للاستفادة من شهر المغفرة والتوبة، أو لزيادة الأجر والعمل الخيري، بل تبدأ الاستعدادات ونعيش أجواءه "الحربية" بسيل من التصريحات الرسمية الموجهة للمواطن وهو "مشروع صائم" سيتحول بعد ثبوت رؤية الهلال إلى صائم حقيقي.
كل الحكومات تتحدث للناس عن توفر مخزون مطمئن من المواد الغذائية، ليطمئن المواطن أنه لن يفقد أي سلعة. ثم تبدأ اللغة الحربية بتوجيه التهديدات لرجال السوق بأن الرحمة لن تظهر تجاههم فيما لو قاموا برفع الأسعار. وهذا العام انشغلنا أسابيع بقضية تأخير الساعة والعودة للتوقيت الشتوي قبل أن تحسمها الحكومة بعدم التأخير لأسباب تتعلق بارتباطات مع العالم نحتاج بسببها إلى إبلاغ العالم قبل 60 يوما بقرار تأخير الوقت. ولهذا، فإننا نقترح على الحكومة التي ستكون في إدارة شؤون الدولة أن تنتبه لهذا الأمر منذ نيسان (أبريل) المقبل إذا كانت معنية بهذا الأمر.
التوتر يزداد عند المسؤولين لأنهم يريدون إقناع المواطن بأنهم لن يسمحوا برفع الأسعار. وترتفع وتيرة التنسيق مع التجار ونقاباتهم وغرفهم للعمل "أسرة واحدة"، والهدف بعث الطمأنينة في الأردنيين بأن السلع متوفرة، وأنه لن يتم رفع الأسعار. وهذا العام هناك مبادرة من أصحاب "المولات" بعدم رفع الأسعار في رمضان، وكأن رفعها في غير رمضان أمر مباح! لكنهم مع ذلك يستحقون الشكر.
نفعل كل هذا مع أن النهج الاقتصادي للدولة لا يلزم التاجر إلا بإعلان السعر فقط، ولاتملك الحكومة تحديد الأسعار إلا لبعض المواد الأساسية وللضرورة، ووفق الأسعار العالمية. فلو أن بائع قطايف قرر في عامنا هذا، عام الإصلاح والربيع العربي، أن يبيع كيلو القطايف بعشرة دنانير فإن الحكومة ليس لها عنده إلا أن يعلن قائمة الأسعار، أما القرار فهو للناس، والتنافس هو الذي يحدد خيارات الناس. وطبعا سنجد للقطايف البرجوازي زبائن لأنهم يعتقدون أن فيه كلمة سر ليست في غيره.
والناس أيضا يعيشون رمضان 50 أو 60 يوما. فالمدخن يشعر بالعبء المقبل كلما جاء ذكر رمضان وتذكر معاناته في الصيام. وأحاديثنا كلها عن أكل رمضان وماذا سنشتري. ويكتشف البعض أنه بحاجة إلى طناجر ومعالق وسكاكين وكاسات شاي وغيرها من أغراض البيت، ويستعد الكثيرون للذهاب إلى المؤسسات الاستهلاكية المدنية والعسكرية والمولات بعد تسلمهم رواتبهم، وعندها تجد عربات التسوق متخمة بكل شيء، ونشتري أشياء لا علاقة لها برمضان ولا نستعملها لا في أيام الصيام ولا غيرها.
قبل رمضان تكثر ندوات التلفزيون وتقارير الصحف عن السوق، ويصبح مدير المؤسسة الاستهلاكية وجها مألوفا ومتكررا لدى الناس. ولا يترك حتى أهل السياسة في الحكومات فرصة إلا وتحدثوا عن الوضع الآمن للمواد الغذائية؛ إنه عبء سياسي وإعلامي على المسؤولين.
رمضان موسم خير للجميع، ومن الطبيعي أن يكون موسما إيجابيا للتجار والأسواق، لكننا جعلنا من رمضان شيئا آخر، نغرق بشكلياته التي صنعناها بأيدينا عاما بعد عام، حتى أصبح عبئا على فئات من الفقراء وموسما آخر لآخرين.
المراجع
الموسوعة الرقمية العربية
التصانيف
جريدة الغد صحافة سميح المعايطة العلوم الاجتماعية