كيف استطاعت بيوتنا أن تمتلك كل هذه التعاريج والسماكات والتوعد الذي يجعلك تشعر بأن الأثاث يتوعدك بعدوانية مُصمتّة وغريبة، وأن خلف كل هذه الديكورات التي نزين بها بيوتنا دهاليز سرية تحجب المشاهدة الحقّة؟
من أوجد هذا التسوير السري لبيوتنا الى درجة أننا لم نعد نتعرف عليها، ومن هو الصانع الذي منح باب البيت كل هذه السماكة التابوتية الخشبية التي تشعرك وأنت تقف أمام الباب كي تطرقه ان هناك قوة طاردة، تجعل يدك حينما تمتد لجرس الباب ترتعش بكهربائية عجيبة؟ |
من اين أتت كل هذه المقاعد التي تحجز نصف مساحة البيت؟ |
ومن هم الذين سيجالسونها بهذا الاكتظاظ العجيب، وأية حاجة الى الارتفاع عن الأرض والجلوس على كل هذا الكنب الفاخر، والجلوس برؤوس مُسدلة تحت ثريات الكريستال التي لا تضاء الا مرات عديدة كل عام ؟ |
ومن أين أتت كل هذه الأجهزة الكهربائية التي تشعرك وهي تلتمع بأشعتها المكهربة أنك مقيم في غواصة أو محطة فضائية؟ |
ومن الذي أجبرنا على كهربة البيت الى هذا الحد وجعل كل واحد منّا يتمغنط باتجاه جهازه الكهربائي حد الالتصاق الزئبقي الثقيل، والبعض ذهبت به الحماقة الى درجة وضع عبارة على سور بيته تقول «احذر السور مُكهرب»؟ |
ولم كل هذه الأسرة التي تتوزع في الغرف مثل نعوش لرجال حضروا وغابوا دون عودة؟ |
لمن كل هذه الوسائد والأغطية؟
وهل صارت أرضية البيت مقززة الى درجة طمسها والتستر عليها بالموكيت أو بالسجاد العجمي؟ |
أنا ما زلت أذكر بيوتنا في الستينيات والسبعينيات من القرن الفائت حيث كانت تبدو بانشرحها العمراني كأنها بيوت ضاحكة طوال اليوم، بيوت كانت فخورة ببوابتها المشرعة طوال النهار مشترطة على كل من يعبر منها أن يقول عبارة «ياساتر» حتى تصبح هذه العبارة بمثابة جواز سفر لكي يصول الزائر في كل أرجاء البيت.
وأذكر بيوتاً كنا نأتيها زائرين فندخل حوش البيت فلا نرى الا خابية ماء تعلوها دالية وحينما كنّا ندخل الغرفة الكبيرة للبيت والتي كانت على الأغلب فارغة من كل شيء، كنّا نرى كيف تمد سيدة البيت الحصير وتضع فوقها فرشات الصوف، ووسائد ومنافض للسجائر .
يا إلهي كم أحن الى تلك البيوت التي كانت تؤثث بلحظات وكم أكره هذه البيوت التي نقيم فيها سنوات طوال دون أن نقوى على معانقتها أو حتى التعرف عليها | |
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة خليل قنديل جريدة الدستور
login |