إن الحروب الدموية والمجازر التي تحدث اثناء هذه الحروب، إضافة الى قصف المدن بالطائرات والمدافع والصواريخ بعيدة المدى، وتماسك المجتمع المدني برعب موحد، هو وحده من يعطي الناس درسه الدموي في تحاشي الحروب مستقبلاً، وهو وحده من يسرب كل هذه الطمانينة في أرواح الناس ومحاولتهم الدؤوبة دائماً محاشاة الاقتتال او إسالة الدم.

وبناء عليه فإن ما نلاحظه من رقي وانتظام في تعامل افراد المجتمعات الغربية مع بعضها، والتزام مقدس بالنظام، وكأن المجتمع برمته يعيش سيمفونية لا تصدق. كل هذا سببه ان هذه الشعوب اهدرت الكثير الكثير من الدم في حربين متتاليتين في الحرب العالمية الاولى والثانية. ويكفي ان نرى فيلماً وثائقياً عن اقتحام برلين في اواخر الحرب العالمية الثانية لنعي حجم الدرس الدموي الذي تلقاه الشعب الالماني وشعوب ادول الحلفاء ايضاً.

على صعيد الوطن العربي فإن الشعوب العربية لم تخض حروباً امتلكت القدرة على نسف البُنية الاجتماعية العربية، ومحاولة تخليق بُنى هذه الشعوب من جديد. وباستثناء الاستقلالات المتتالية في معظم الدول العربية منذ مطلع القرن الفائت حتى ايامنا هذه، فاننا لم نبذل المزيد من الدم والشهداء، ولم تتعمد العواصم العربية بالدم ربما باستثناء دولة الجزائر التي استقلت بعد حرب تحرير شعبية.

واذا كان لا بد من استذكار الحروب مع دولة اسرائيل فإننا قمنا بتقزيم حروبنا مع اسرائيل بسميات مُبتسرة كحرب الأيام الستة، وحرب نكسة حزيران، وقبلها كارثة عام 48 ، وحرب تشرين، وكما نلاحظ انها حروب قائمة في تسميتها على التقويم.

وإذا عُدنا الى سبعينيات القرن الفارط، سنجد شاعراً عراقياً مثل «مظفر النواب» يقول في إحدى قصائده وهو يضع اصبعه على جرحنا الحضاري بقول يشبه النبوءة: « لا بد لهذي الأمة من درس في التخريب».

وفي زمن الربيع العربي حيث تندلق الثورات في معظم العواصم العر بية، وحيث يسيل الدم في كل الساحات والأمكنة، وحيث الطمأنينة الكاذبة التي كانت تغلف هذه الشعوب تتزلزل وتتقشر، في مثل هذا الزمن نكون قد وصلنا الى سن البلوغ الحضاري بدرس غاب عنّا كثيراً هو «درس الدم».


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة  خليل قنديل   جريدة الدستور