سائق التكسي المُسن الذي جلست بجانبه متجهاً الى وسط البلد كان في أقسى حالات توتره، وهو يستعجل الحركة المرورية حوله كي يتفادى غضب صاحب التكسي الذي ينتظره ويتوعده كل يوم ويقل من قيمته بسبب تأخره في احضار نقود الضان اليومي للتكسي. أحزنني منظر الرجل وهو يلعن الزمن الذي وضعه في مثل هذه الظروف. استفزتني لعناته المتتالية فقلت له بلهجة قاسية: أين قضيت عمرك الطويل هذا ولماذا لم تفلح في الحصول على تكسي يكون ملكيته خاصة بك. الرجل نظر اليّ وتنهد طويلاً وهو يقول: لقد قبضت نقوداً بوزنك ولكنها جميعها طارت من يدي. فقلت له :» كيف؟؟».
ومن هنا بدأ الرجل بسرد قصته مع الرزق والنقود وهو يقول: كان لي تكسي وكنت لا أعمل عليه الا في الليل، حيث كنت أرى كل خبايا العاصمة، وذات مرة كانت حمولة سيارتي مجموعة من السياح العرب، الذين قالوا لي «الا يوجد عندكم ملاهي في عمان؟» فقلت بسرعة وهل هناك عاصمة عربية تخلو من اماكن اللهو والمرح، وكانت هذه خطوتي الأولى في الوصول الى تلك الأماكن ..وما أكثرها
| وتابع الرجل: لكن الهم من هذا وذاك اني وصلت الى مرحلة عقد صفقات مع اصحاب هذه الملاهي حيث تتم محاسبتي على نسبة من الاموال التي يهدرها السياح العرب على الراقصات وما يسمى ب»النقطة». وكان دخلي اليومي يتعدى ال»300»دينار وأكثر. وعلى هذا الأساس صرت متفرغاً لاصطياد السياح من فم المطار كل يوم، وتقديم عروضي الفاسقة عليهم وتوزيعهم على ملاهي عمان. والحصول في اواخر الليل على نسبتي في الربح اليومي.
الى هنا قاطعته قائلاً» ولكن أين ذهبت بكل هذه الاموال» فرد بعادية موجعة «والله العظيم لم اكن ادر كيف كانت تتلاشى تلك النقود، وكيف كانت تختفي من يدي» وهنا صمت مطولاً وقال بصوت كله حسرة» انه المال الحرام» وأنا أقول هذا عن تجربة وأقول لك لا تصدق أن مال الحرام يدوم انه يتبخر مثل تبخر الماء الساخن. في وسط البلد توقف الرجل وهو يرتعش رعبأ من صاحب التاكسي الذي سيؤنبه كعادته في كل يوم.
وحين اختفى السائق بين المركبات تساءلت وأنا أرى كل ملفات الفساد التي تفتح يومياً عن سر الأموال الحرام التي يسرقها الفاسدون ولا تفسد حياتهم، بينما الفقير حينما يمد يده للمال الحرام يحدث معه كل هذا الضيم وكل تلك النقمة.
لعلها الحكمة الربانية التي نجهلها تماماً.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة خليل قنديل جريدة الدستور
login |