مازالت الشعوب العربية عموماً تتعامل مع المسنين بطريقة أساسها المجاملة والشفقة، لا بل نجد المسألة تذهب الى أبعد من ذلك حين تقوم بعض العائلات باتهام الرجل أو المرأة حين يقفزا عن عتبة الستين بالخرف وتهور الأوضاع الذهنية، وبناء عليه تقوم بعض هذه العائلات بعزل المُسن أو المُسنة في غرفة بعيداً عن الحيوية التي تعج بها أرجاء البيت.
وكثيراً ما صادفت بعض البيوت العربية التي تحتضن كبير العائلة بنوع من اسلوب الحجر الصحي، باعتباره بضاعة فاسدة انتهت صلاحيتها. والحال أن العديد من العائلات العربية تتعامل مع المسن على اعتبار انه على حافة قبره كما يقولون، وأحياناً يستعجلون موته وهم يقولون «فلان مياته على النار»
|
ما أثار عندي هذا الشجن في الحديث عن المسنين العرب هو ما فعلته الجدة «بيجي مانفلن»، حيث لم يمنعها عمرها البلغ «104» سنوات، كما لم يمنعها مقعدها المتحرك، من إحارز لقب أكبر معمرة في العالم تهبط بمظلة من قمة جبل باعتبارها أول شخص في العالم يحقق هذا الرقم في تلك الرياضة الخطرة، لتدخل بذلك موسوعة «غينتس».
وقررت العجوز المقيمة في قبرص القفز من قمة جبل شمال قبرص ارتفاعه2400 قدم. والسعي الى معاودة التجربة اذا تفوق أحد عليها.
والحال فإن المُسن الغربي حينما يقف على عتبة الستين من العمر يكون قد استعد الى خطة محكمة في تعامله مع هرمه، بطريقة لا تخلو من العبقرية، وجعل ختام العمر مسكاً، وذلك بأن يوقظ في روحه رغبته العارمة في تحقيق الحياة وأن يعيش كل جمالياتها وبتحدٍ يجعل الحياة الهرمة قابلة أن تُعاش وقابلة للتلذذ بها.
ومن يراقب أي جروب سياحي في مناطقنا السياحية سيجد أن أكثر ما يميز هؤلاء السياح انهم من المسنين الذين يقدمون على معايشة الحياة بهمة نادرة.
إن الجيل الستيني العربي الآن عليه أن ينقذ نفسه من الهجمة العائلية التي تلتف حول فراشه بانتظار التسريع في تكفينه وهو على قيد التنفس، وأن يسرع الى تجديد حياته بالمشاريع الجماعية والرياضية، وأن يسعى الى استرداد حيوته التي نهبتها العائلة وانشغالات البحث عن لقمة العيش وغباء الثرثرة العائلية. وأن يقتدي بتلك المرأة العجوز التي حققت رغبتها في العيش حينما قفزت بالمظلة عن كل هذا الارتفاع المرعب.
انها عبقرية الهرم | | .
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة خليل قنديل جريدة الدستور
login |