حينما تدخل الى أي بقال وتطلب منه شراء بعض السلع، يظل البائع متمسمراً فوق مقعده مكتفياً بالإشارة لك عن موقع البضائع التي تريدها، وما عليك أنت الا أن «تتعربش» على بعض الأرفف التي يضع عليها البضائع، وقد تضطرك السلعة التي تريدها في بعض الأحيان الى أن «تنزدح» أرضاً وتبدأ بتنشق غبار الأرض حتى تستل سلعتك، وفي النهاية عليك أن تضع كل ما اخترته من بضائع أمامه، مكتفياً بالضغط على الآلة الحاسبة.

وفي غضون ذلك لا أدري لماذا أحس بالشوق الى بقال حارتنا الذي كان يجرجر جسده الهرم والمتعب كي يعطيك السلعة التي تريدها، أو يضطر لأن يحضر السلم الخشبي النحيل كي يصعد درجاته، ويعطيك سلعة تكاد تلامس سقف الدكان.

وفي النهاية كان يجلس على مقعده، ويمد يده باتجاه قلم الرصاص، أو الكوبياء، المخنوق رأسه بخيط القنب، ويبدأ بحساب قيمة السلع التي طلبتها.

هذا النوع من التفكير يقودني الى حالة من التداعيات تجعلني أفكر بذاك المخترع الرقمي الذي استطاع ان يمنح كل هذه الراحة للبقال. تكبر الفكرة في رأسي وأتذكر «المول» الذي وحينما تدخله يضحك على ذقنك بعربة معدنية تجرها أمامك دون دليل مكتفياً باليافطات التي تدلك على البضائع التي تريدها، وعليك بعد ذلك أن تصطف في طابور طويل، وتقف في النهاية امام الفتاة «الكاشير».

انت لا تشعر انه قد تم ممارسة عبودية عليك، وحينما تتعمق في المسألة تجد أنك وحينما تذهب لتسديد فاتورة الكهرباء، تذهب الى آلة كي تمنحك رقمك، لاحظ أنك أتيت لتدفع لا لتقبض ومع ذلك تصطف في الطابور حتى يأتي دورك

والأمر لا يتوقف هنا فقد قام العالم بأتمة كل الاجراءات التي تخص المواطن، في البنوك والمؤسسات، وتوقيت دخولك للعمل، لا بل أن الأمر تطور الى بصمة العينين

إن الفيلسوف الذي صاح ذات مرًة قائلاً» انني لست رقماً من الأرقام إنني أنا» كانت قرونه الاستشعارية المبدعة قادرة على كشف ان عصراً رقمياً سوف يحتل قرناً كاملاً. وانه سيجعل كل البشر يفقدون طلاقتهم الحياتية ويتحولون الى أرقام.

اللعنة ..لقد اشتقنا الى أرواحنا تلك التي كانت تقيم في المغائر، والى أجسادنا التي تحمل ضجتها الفرحة دون أي رقم، ودون أية سيميائية مقترحة.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة  خليل قنديل   جريدة الدستور