حينما يجلس الواحد منّا على هضبة عمره الهرم هذا، ويحاول أن يستدرج قائمة الكم الهائل من الأصدقاء، الذين عبروا حياته بجمالية مُبهجة ونادرة، ويلتفت حوله فيجد الجميع يخضعون لمقولة سليمان الحكيم «الكل باطل وقبض الريح» فإن غصة في الروح تجعل الواحد منّا يسأل «اللعنة أين ذهب كل هؤلاء؟؟».
نعم أين ذهب أصدقاء الطفولة الذين كانوا يوقظون الحارة والفصل المدرسي وساحة المدرسة بضجيجهم الذي مازال طعم ايقاعه في الأذن، بجماله وشقاواته وتلك الشراكة الطفولية في تقاسم الحياة ورغباتها المدهشة؟
أين ذهبت فاتحة اليوم الأول من العطلة الصيفية التي كانت تجعلنا نقدم أوراق اعتمادنا للأزقة والشوارع القريبة ولبقال الحي، ولتلك الكروم التي كنّا نتوعد ثمارها الناضجة بالقفز الى أعلى غصن في الشجرة دون خوف أو وجل.
يا الهي كم كانت تبدو ايام العطلة الصيفية معفاة من الجمارك الاجتماعية وكم كانت تجعلنا طلقاء في استطالة زمنية تمتد لثلاثة أشهر دون أي تعثر.
نعم اين ذهب أصدقاء العرق المراهق الذي كان يباغت أجسدنا الفتية بتلك الرائحة الشابة التي تذكر بعنفوان الجسد، وأين تلك الخطوات التي كنّا نتمشى فيها أمام بوابة دار تلك الصبية التي اتفق ابناء الحارة جميعهم على الشراكة في حبهم لها دون أي شجار، وكانت تكتفي هي بمنح كل واحد منّا تلك النظرة التي تجعله يفكر انها تحبه وحده.
ومع ذلك تظل تسأل عن الاصدقاء الذين التقيتهم في مدن بعيدة، وكنت تسامرهم وتسأل عنهم ويبادلونك السؤال، مثلما تسأل أيضاً عن أصدقاء كانوا يهيجون في ذاتك تلك الرغبة في الحفر في أدق تفاصيل الحياة، لتقدمها اليهم طازجة من غير سوء، وكنت تقبل منهم أيضاً كل بضائعهم الفكرية والحسية التي كانت تهيج روحك بالفعل.
اللعنة أين ذهب الأصدقاء؟ وكيف اختفوا هكذا وتبددوا مثل الموت المباغت، وهل هناك ما يمكن تسميته بجلطة الأصدقاء، أو بالسكتة الدماغية للأصدقاء؟
انك وأنت تتقدم في العمر وتتطلع حولك فلا ترى أي واحد من هؤلاء، تفجع وأنت ترى الرجل الذي يمد لك يداً دودية لدنة وهو يصافحك ويُعرفك على ذاته باعتباره صديقاً مقترح
|
وتتأكد لحظتها من أنّ فراغاً هائلاً خلفه هذا الغياب الكافر للأصدقاء | |
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة خليل قنديل جريدة الدستور
login |