مازلت أذكر مكتبتي الأولى، التي كنت قد اقتنيت كتبها بشق الأنفس، ومازلت أذكر الوقع الذي أحدثته مثل هذه الكتب على والدتي تحديداً، وفقدان الحيلة في اقتراح مكانها كضيف طارىء على أثاث بيتنا، وقد كان يحلو لها أن تضعها في صندوق خضار خشبي تحت السرير، وحينما كانت تقوم بغسل بلاط البيت كانت تصاب بالغيظ الحقيقي رحمها الله وهي تتساءل وبجدية حقيقية ان كان هناك كتبٌ غير الكتب المدرسية؟
|
وذاكرة مكتبتي الاولى تعيدني الى تلك الحالة الرمادية التي كانت تقع في افخاخها روحي، فأصبح وبحسب التعبير التكنولوجي السائد حالياً، «خارج التغطية أو الخدمة»، وحينها لم أكن أجد طوق نجاة سوى العودة الى البيت واختيار كتاباً، كي أصعد به على سطح بيتنا، كي أغوص في عوالم كتابي، مستلقياً في الظل القرائي هذا، وغائباً في متعة لا تصدق.
وكانت مكتبتي تقدم لي مجاناً نساء نجيب محفوظ، ونساء احسان عبد القدوس، وسارتر، وكامي، والبرتومورافيا، حيث كنّ يحضرن بشكل مجنح كي يفتكن بتصوراتي الأولية عن المرأة | | ، اما نساء من نوع لوليتا وعشيق الليدي تشارتلي ومدام بوفاري فحدث ولا حرج عن التدميرات الذي احدثه هذا النوع من النساء في تكوني المُبكر.
والطريف في الذاكرة المكتبية التي تخصني انني كنت أتعرض الى فقر مباغت يحرمني من الذهاب الى فيلم الموسم، وتناول ساندوتش، أو الجلوس في مقهى المنشية، في «اربد». وفي مثل هذه الحال كنت أنتخب أعز الكتب الى قلبي، وأذهب بهما الى بائعهما الأول، الى «ابو العبد الزرعيني» صاحب أكبر وأعرق بسطة كتب ومجلات في اربد، وتبدأ المقايضة الموجعة بيني وبينه، لكنه كان في كل مرة ينتصر عليّ ويشتريها مني بربع الثمن، لكن هذا الربع كان يكفيني وربما يكفي الاصدقاء لقضاء ليلة عرمرمية | |
كنت أكبر وتكبر معي مكتبتي، وظلت مكتبتي تربكني في كل تنقل وفي كل رحيل. وأذكر اني حينما غادرت أبو ظبي في مطلع التسعينيات أني أصبت بجرح عميق من فقدان مكتبتي، حيث الطريق البري كان مغلقاً، وكلفة شحنها بالطائرة فلكية، وهكذا كان علي تركها.
وظلت مكتبتي التي تقف شامخة الآن في مدخل بيتي تقودني الى الارتباك حين أواجه بسؤال من أي صديق أوقريب إن كنت قرأت كل هذه الكتب فعلاً؟ وكنت أجيب بنعم، كانوا يعلنون عن دهشتهم.
بالامس وحينما خرجت صباحاً من البيت، ومررت من جانب المكتبة احسست أن شخوصها الحبريين يقهقهون ويضحكون بنوع من الانتصار، وعندها عدت على الفور الى مكتبي، وكانت هذه الكتابة | .
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة خليل قنديل جريدة الدستور
login |