من أخطر المشاعر التي يمكن أن نصاب بها هي « الفراغ العاطفي»، اذ ليس من السهل ان تراقب اطفالك يتنطنطون حولك فتشعر بحيادية اتجاههم وانهم مجرد العاب معدنية او بلاستيكية معبأة. وليس من السهل ايضاً ان تنظر الى الشارع الذي تطل عليه بوابة بيتك على اعتبار انه حماقة اسفلتية لا تقدر على اقتيادك الى أي مخرج سوى الذهاب الى مسالك الضجر وفقدان الوصل والاتصال

وليس من السهل أن تجد الجيران حولك مجرد بيوت حجرية صماء وساكنة، لا تعطيك معنى التجاور الانساني، وأن الشرفات خرساء ايضاً وفاقدة لضحكتها المؤنسنة بينما الحدائق المنزلية تبدو وكأنها تضم اشجاراً بلاستيكية غرست للتو

وليس من السهل أيضاً أن تفقد طعم الغناء الفيروزي مع قهوتك الصباحية لتشعر ان المساحة الاذنية في التلذذ بحميمية صوت فيروز قد بدأت تعاني من غياب فكرة التلذذ بالصباحات وبما يمكن أن يحمله اليوم من بشارات.

وليس من السهل أن تفقد طيف المرأة التي ظلت تولد في روحك القصائد والأغنيات، وأن العالم بمجمله بدأ يتحول بقسوة الى ما يشبه الذكورة التي تخلو من أي حنو،وأنه صار من الصعب عليك تأنيث الكائنات.

وليس من السهل ايضاً ان يدخل الاصدقاء في مساحة الضجروالندم عن ذاك التوصل الذي صار غبياً بالنسبة اليك، وأن ما عاد أي واحد منهم يقدر على اثارة الروح الرفاقية فيك، ويثير شهية الاقبال على الحياة عندك.

وليس من السهل أن يعيدك الوضع السياسي الى مربعك الأول الغبي في التفكير الدائم أنك تتعرض الى مؤامرة في كيانك الوطني، وأن تعود الى سذاجتك المزمنة في تتبع نشرات الأخباروتوقع الكوارث من جديد.

نعم انه الفراغ العاطفي الذي يجعلك تحدق في كل شيء حولك وتشعر كأنك تراه لأول مرّة، وأنك بحاجة الى اعادة تأطير مشهدك الروحي من جديد، والعمل على تأطير رغباتك الحياتية من جديد.

الفراغ العاطفي حين يقتلع الحالات التي عشنا من اجلها عمرنا، ويجعلنا نقف على حافة الأرض برعب كوكبي وبوحشة الوحدة والفقدان والاقامة الدائمة في منطقة النعي وتلويحة الوداع.

الفراغ العاطفي حالة خطرة بدأت تنغل في أرواحنا لتعيدنا من جديد الى تلك المنطقة السمجة، منطقة الدفاع الغرائزي عن النفس وعن كل جماليات الحياة.

فيا للوحشة


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة  خليل قنديل   جريدة الدستور