ما من زمن تراكم فيه الكلام مثل هذا الزمان، وما من عصر تورم فيه النطق حد الانبعاج مثل هذا العصر، وما من وقت تفشى فيه الكلام كالوباء مثل هذا الوقت.

وبات الكوكب الأرضي يصدر طنيناً كونياً يزلزل حركة المجرات والكواكب بفعل الامواج الصوتية المنبعثة صبح ونهار وليل من كوكبنا الثرثار هذا

نعم نحن نعيش في عصر الكلام بامتياز، عصر يتيح لنطق الندوات والامسيات ان يعشعش في الرؤوس وفي جنبات القاعة وعلى مقاعدها التي باتت هي الاخرى

حتى وهي فارغة تعاني من تراكم ضجة المايكروفونات ومن حساء الاصوات المتحشرجة بالنطق الانشائي البليغ.

في عصر وزمن الكلام الذي نعيش انتشرت الفضائيات التي انتشرت كالفطر تبث كلامها ليل نهار وتتحدث في برامج ثقافية وسياسية لا تخلو هي الأخرى من حوارات اشتباكية ونشرات اخبار متتالية اضافة الى معلقين ومنظرين في فهم ايقاع الخبر السياسي، وبرامج عن اعماق البحار وعن انواع الحيونات وفنون الطبخ وفن التجميل واختلاط البرامج الدينية مع دعايات عن البسة داخلية وانواع العطور وعن فن فك السحر والحجاب.

وهناك ثرثرة الساسة والخطابات الانشائية التي تجول في الأفق السمعي للانسان، وهناك المنصات الثورية التي تطلق منها الخطابات التحريضية وهناك الهتافات الجماهيرية التي تطلق من الميادين والتي تدعو الزعيم الديكتاتوري للرحيل.

وهناك رد الديكتاتورالذي يغلف صوته بصوت الصواريخ والقاذفات والقنابل التي اخذت تحرق الاخضر واليابس من ارواح الناس ودفعهم الى العودة الى تراتيبية الحياة البدائية الاولى والى اللجوء القسري عن البيت

انها خلطة صوتية بشرية بدأت تخرج كوكبنا عن طوره، بحيث بدأت تتراكم طبقات الجو والمناخ بموجات الصوت الكهرومغناطيسية الى حد عجيب، والى درجة

تراكم غيوم صوتية في السماء والى الدرجة التي بتنا نعتقد فيها ان السماء قد تمطر علينا كلاماً مكهرباً في عصرنا القادم

هناك ثرثرة جمعية في البيوت والشوارع والاسواق والساحات وفي مقرات الاحزاب، ثرثرة أخذت بالتورم الى حد اختناق المجال السمعي للانسان واصابته بما يمكن تسميته بالاختناق السمعي.

ماذا لو كف كوكبنا عن الثرثرة قليلاً، أو ماذا لواجترحنا يوماً عالمياً للصمت. ربما حينئذ سوف نستمع الى اعماقنا ونعود الى رشدنا الانساني قليلاً


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة  خليل قنديل   جريدة الدستور