مشكلة حقيقية ألا تشعر بالشوق حتى لأعز الأصدقاء، ومشكلة ايضاً أن تعيش دون أي استثارة من أحد يجعلك تفكر فيه وتشتاق اليه الى الدرجة التي تجعلك تنهض من مقعدك البيتي لتطرق باب داره وتضمه اليك شوقاً. ومشكلة ألا تشعر ان أمكنة عمان ومقاهيها تجلس وهي في حالة شوق لاقبالك عليها .مساء البارحة شعرت اني مثل هاتف جوال انتهى شحنه للتو وفقد قدرة الاتصال بأي أحد. وبدوت وكأني بكتلتي اللحمية وبمشاعري الانسانية خارج التغطية

كنت أجلس وحدي على مقعدي في صالة بيتي واحاول ان أقدم كل الاغواءات ل»خليل قنديل» ان يهجر هذه الجلسة الغبية امام المدفأة، والوقوع تحت وطأة ايديولوجية «الأحيه» ومد الأصابع نحو نار المدفأة. ولكن مامن اغواء استطاع ان ينهضني من مقعدي.

عرضت على هذا ال»خليل» الذهاب مثل كل عباد الله الى بعض المولات وصعود الدرج الكهربائي، والذهاب الى تلك الكافتيريا التي تعج بالنساء الطازجات، واحتساء تلك القهوة المعقدة، والجلوس على مقعد كأي مثقف باريسي، لكن تفكيري بالضجة الزائفة والمهجنّة في المول اعاقت كل ذلك الى درجة التقزز.

وضعت ساقاً على ساق وأخذت استعرض قائمة الأمكنة، وسط البلد، مطعم هاشم، التعثر بالمتسولات، مقهى الأوبرج، مقهى زوربا، والوقوف امام شارع الملك فيصل، والتحديق بالمارَة، أو الذهاب الى شارع الملك طلال ومن ثم الانحراف يساراً والدخول في ضجة سقف السيل واختلاط رائحة الشاورما بقلي الفلافل وتلك الرائحة الاستعمارية لثياب البالة وامتزاج عبق سقف السيل، لكن حالة تقزز مباغتة انتابتني وثبتتني على المقعد.

تراجعت عن كل هذه وبدأت باستعراض قائمة الاصدقاء وبدأت قائمة المعارف والاصدقاء تتوالى امام ناظري، واندهشت من فكرة ان اي اتصال مع اي واحد منهم يحتاج الى مناسبة تستحق ان يخرج من بيته ليلقاني ذلك ان فكرة الاشتياق العفوي تبدو فكرة غبية وحتى غير واقعية.

وفجأة وجدتني أنهض الى مكتبتي واستل كتاباً لا على التعيين كعادتي والغريب ان الكتاب كان بعنوان «التذكرة» للشيخ القرطبي الذي كان مفتونا بفكرة الموت وكل الاحاديث التي دارت حوله. استغرقت في القراءة وبعد ذلك وجدتني أشعر بالنعاس، وذهبت الى فراشي وأنا أشعر أن عمان صار لها اصابع تلتف حول عنقي وتكاد تخنقني. ولا أدري كيف غفوت.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة  خليل قنديل   جريدة الدستور