من رأى مئات الدبابات والآليات وآلاف الجنود متوجهة إلى قطاع غزة تطوقه من شماله وجنوبه ومن رأى طائرات العدو تحلق وتقصف وتدمر محطات الكهرباء والماء ؛
من سمع هدير الدبابات والطائرات وهدير القادة السياسيين والعسكريين ظن أن القيامة قد قامت ، أو أن حربا عالمية ثالثة قد بدأت .
كل هذا يكون من اجل جندي اسرائيلي اسير ، مع ان ثمانية الى عشرة آلاف مواطن فلسطيني هم اسرى السجون الاسرائيلية من غير حرب ، ومن غير محاكمة ، وفيهم مئات النساء والأطفال .
أتراها مظاهر قوة في الجيش الاسرائيلي والحكومة الاسرائيلية أم هي مظاهر خوف وارتباك وتخبط ؟.
كل هذا من اجل جندي اسرائيلي فرنسي اسير ، وكل هذا ضد شعب مدني اعزل محاصر مجوع ، محاصر عسكريا حيث الطوق الاسرائيلي ومحاصر اقتصاديا حيث المعابر المغلقة ، فلا يصل القطاع واهله غذاء ولا دواء ولا وقود ، ومحاصر سياسيا حيث الحكومة الشرعية مكبلة الأيدي مقطعة الأوصال موزعة بين الضفة والقطاع ، وحيث الموقف الاوروبي والامريكي والمقاطعة السياسية الدوبلوماسية والاقتصادية .
لا الجندي الواحد يستحق كل هذا ، ولا القوة المقابلة تملك من القوة ما يستوجب كل هذا التجيش والاستعداد .
أما الجندي فمن الممكن انقاذ حياته بأقل التكاليف لو ان العنجهية الاسرائيلية تواضعت واستجابت لعرض الفلسطينيين الذين يأسرون ذلك الجندي .
كل ما طلبه أولئك هو اطلاق سراح الاطفال والنساء من سجون الاحتلال الاسرائيلي ، وهو عرض عادل وممكن وقابل للتنفيذ ، ولقد اعتادت اسرائيل على مثل هذا مع الفلسطينيين واللبنانيين، مع حزب الله والقيادة العامة ، فلماذا يكون الرفض هذه المرة .
الجواب ان هذه الحملة المسماة " مطر الصيف " كان الإعداد لها والتهديد بها قبل عملية آبار سالم الفدائية الاستشهادية ، تلك العملية التي اذهلت الجيش الاسرائيلي وافقدته صوابه لنوعيتها وعبقريتها ونجاحها .
وتأتي هذه العملية الاسرائيلية لخدمة اولمرت وحكومته ،ورفع اسهمه بأنه يأتي بما لم يأت به الأوائل وآخرهم شارون ، ذلك الذي ظنناه اسفل السافلين وأجرم المجرمين ، واذ به يورث من هو اسفل منه .
ويتجلى امران خطيران في هذه العملية الاسرائيلية أولهما الصمت أو النوم العربي ، وكأن شيئا لا يقع في اقدس بقعة واعز شعب ،وكأن ما يصيب اطفال غزة من صواعق الطائرات واصوات القنابل والقذائف – على اقل تقدير – لا يعنيهم ولا يهز مشاعرهم ،وكأنهم لا يتصورون كيف لو وقع هذا لأطفالهم .
لا الحكومات العربية تحركت ولا الشعوب ، وكأن ابرة المخدر الامريكي قد اعطت مفعولها .
فقط من هناك من البعيد من المغرب والسودان خرجت مسيرات متواضعة عددا وتأثيرا ، ولكن شكرا لهم ، فقد عبروا عن مشاعر الحب والصدق والوفاء.
أما الامر الثاني فهو الاندياح الامريكي الاوروبي الدولي الاعمى ، وهذا الصمت المطلق ، والاصطفاف الامريكي العلني مع الاسرائيليين ، فلقد أقر البيت الابيض الفعل الاسرائيلي جملة وتفصيلا ، ولكنه طلب عدم إيذاء المدنيين ولا ندري كيف يكون ذلك ، والشعب الفلسطيني كله مدني وكله مسنهدف .
أما الموقف الأعمى الدولي فهو كشأنه في النفاق والمجاملة والتبعية للموقف الأمريكي .
ترى لو كان هذا او بعض منه يقع لغير الفلسطينيين وغير العراقيين هل كان الموقف العربي والغربي والدولي على هذه البرودة والعمى والطرش عن كل ما يجري .
على كل حال لو قدر لهذا الشعب ان يبيد أو يباد لباد من قبل خمسين عاما ، ولكنه باق لنفسه ولقدسه ولأمة العرب والمسلمين.
المراجع
saaid.net
التصانيف
أدب مجتمع