حين دخلت مطعمه لاتناول افطاري عنده لأول مرّة أعترف بأن صرامته في تعامله مع مهنته كصاحب مطعم قد أدهشتني، فهو يقف منذ الساعة السادسة صباحاً خلف ثلاجته العريضة التي تقسم مطعمه الى نصفين، ويبدو كالمايسترو وهو يوزع أوامره على العاملين الوافدين ويرشدهم الى واجبات العمل وتوصيل الطلبات. بنوع من المهارة المهنية النادرة

وهويتنقل بخفة بين الأواني المطبخية التي يتناولها من على الأرفف حوله ويضعها على النار ويضع كل شيء في مكانه الذي يبدو وكأنه مكانٌ أبدي، وما أن يدخل أي زبون الى مطعمه حتى يبادره بالقول «أأمرني» وقبل أن يجيب الزبون يسارع بالقول عندنا حمص وفول وفلافل وقلاية لحمة بندورة وكبدة خاروف وكبدة دجاج وحمص باللحمة، وما أن يعبر الزبون عن رغبته في نوع من هذه الأطعمة حتى يبدأ بتحضير الوجبة بمدة لا تزيدعن عشر دقائق

والمهم ان مراقبتي للرجل جعلتني أقتنع بأن الرجل لا يرمي المواد الطعامية الفائضة عن أي زبون، فبقايا الخبز يُعيد تشكيلها من جديد بسكينته البادحة، ويعيد تدويرها ليضع قطع الخبز الفائضة تحت اي شيء مقلي، أما بالنسبة لبقايا الليمون فهو يعيد تقشيرها من جديد، ومن ثم يضعها في صحن كبير أمامه لتختلط مع التتبيلة المُزمنة التي يضعها أمامه

ولهذا يمكن القول ان مثل هذا النوع من الرجال لا يؤمنون بالنفايات، ذلك ان لكل شيء عنده امكانية التدوير واعادة استعماله من جديد، حتى أن الخبز الذي يكف عن الاستعمال يقوم بتقطيعه بتؤدة عجيبة الى ما يُشبه الذرات، ومن ثم يقوم بنثر حبيبات الخبز هذه أمام مطعمه كي تقبل عليها عصافير وطيور غريبة، وهو يفعل هذا كل صباح بحيث يبدو انه على موعد مع هذه الطيور كل صباح

وخلاصة القول بأن حضور الرجل الطاغي في مطعمه الى هذا الحد قد جعل المطعم بكامل محتوياته يُشبه الرجل،وعليه فانك لا تستطيع أن تتصور المطعم دون وجود هذا الرجل، وقد حدث وأن حضرت في وقت مسائي متأخر الى المطعم ولم يكن الرجل موجوداً لكني وحينما راقبت حركة العاملين الاثنين عنده، وجدتهما يتصرفان بالطريقة ذاتها الخاصة بالرجل وكأنه ليس غائباً

ما يُدهشني خصوصاً ايام الجمع وأنا أرى المطعم مغلقاً بواجهته المعدنية الصارمة، أسأل نفسي عما يمكن أن يفعله هذا الرجل في بيته أيام العطل.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة  خليل قنديل   جريدة الدستور