في الذكرى ال»65» للنكبة الفلسطينية ونحن على ابوابها بفارق يوم، عليّ أنا تحديداً أن أستحضر وجه أمي، أحضرها من قبرها كعادتي كلما رغبت بالتحدث معها وأقول لها حدثيني يا أماه عن فلسطين لا لشيء سوى أنها كانت الوحيدة التي كانت وحينما تبتهج في صباحاتها النادرة تحدثنا عن فلسطين وعن قريتنا «الدوايمة» بنوع من

الحسرة على صباها الذي ودعته هناك قسراً.

تحدثنا عن الحواكير والمغائر وعن التعزيب في بعض الحقول وعن السامر الذي كان يمتد لأكثر من اسبوع وعن اشتعال الأرجل بالدبكات وحسرة العتابا وشهقة الميجنا وقبر الشيخ علي ولي القرية الذي كان يبدو وكأنه حارساً سخره الله لحماية القرية والحارة الفوقا والحارة التحتا وحمى التراجد بالاحجار وعن طعم التين المتفلق بالسكر وعن طعم الخروب وعن الثوار المنفلتين بالجبال وهم يتزنرون بالسلحلك وتلك البندقية التي كانت تشعل المستعمرات اليهودية بالنار.

تحدثنا عن والدها الذي كان وحينما ينفخ في اليرغول يجعل النساء يحرقن خبزهن بالطوابين سهواً وهن مخفورات بشدو اليرغول،وفي النهاية تحدثنا عن المذبحة واحتماء الرجال في مسجد الدراويش وكيف قامت عصابات الهاجانا بتقطيع أوصال بعض الرجال بالسكاكين هناك في باحة المسجد

وفي النهاية تحدثنا وبحميميتها المعهودة عن سر انقطاعها مع مشيمة الحياة منذ أن غادرت القرية، وانها ظلت تعتقد ومنذ لحظة اللجوء الأولى انها تعيش في الفائض من العمر، وربما ولهذا ظلت في كل ليلة تصر على أن نمد لها فراشها على جهة القبلة

في الذكرى ال «65» للنكبة سوف أبدأ باستذكار سنوات عمري مستحضراً سنوات الدجل القومي المتاجر بفلسطين، وكل الانقلابات التي قامت باسم فلسطين وكل الجنرالات الذين تسيدوا فوق رؤوسنا باسم فلسطين، وكل مؤتمرات القمة العربية وكل لغة البيان والانشاء التي كانت تتغنى بتحرير فلسطين.

وفي ذكرى النكبة سوف أذهب الى الثوار الكذبة الذين عاشوا على دم الشهداء والأسرى واحدثهم عن كذبهم الثوري وعن المزايا والممتلكات التي منحتها لهم فلسطين التي انتهت عندهم بارتداء الخاكي المبرقع وغابت تماماً عند أول لقاء على الطاولات المستديرة والحصول على بطاقة ال «في آي بي»

وفي ذكرى النكبة سأنتحي بنفسي جانباً وأبدأ بالنحيب.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة  خليل قنديل   جريدة الدستور