في الايام الاخيرة من رمضان اجد لزاماً علي استرداد مشهد أواخر رمضان في الخمسينيات والستينيات من القرن الفائت حيث ذلك الاستنفار العائلي في البحث عن المشهد العميق الذي يليق بتوديع سيد الأشهر رمضان.

ومن هنا تبدأ الأم بطرح قائمة من الأسماء الجديدة التي تستحق «الفطرة» واحتساب القيمة النهائية لهذه الزكاة وذلك بما يتناسب مع عدد افراد العائلة، وهنا مازلت أذكر ذلك الورع الصبياني المشبع بالامتنان الذي كنا نشعر به ونحن نرى الأب والأم وهما يستعدان لتسديد فاتورة الصيام عنا.

وفي الجانب الآخر كانت أمي تبدأ باستذكار عائلات مستورة ترى انه من الواجب عليها ان تعد العدّة لدعوتهم والتواصل الطارىء معهم كما يحدث في كل عام ودفع زكاة رمضان لهم، وهي زكاة كانت على الأغلب تتألف من بعض الملابس القديمة وحتى الأواني المنزلية واخيراً صرة قماشية تلتف بحنو على النقود البسيطة.

وفي الجانب الرمضاني ايضاً لا بد من استذكار مسحر الحارة الذي كان حين يطل على دكان والدي رحمه الله يبدو وكأنه يجيء من عتمة ليلية خاصة به فتراه يقترب من باب الدكان ويلقي السلام بنوع من الرفعة التي تتوجه سيداً في توسله، وأذكر ان والدي كان يتفهم هذا الشموخ عند المسحراتي وذلك بان يقوم باعطائه اكراميته بنوع من السرية المفجعة وكانت هذه السرية تثمر حين نرى المسحر وهو يمد يده النحيلة ليقبض على المبلغ ومن ثم يسارع في العودة الى العتمة التي انبثق منها

وفي تفاصيل استقبال آخر أيام رمضان لابد من التحدث عن الجارات اللواتي كنّ يقمن بمساعدة أمي على صناعة كعك العيد، وكان هذا يجعل البيت والغرف تعج برائحة جوزة الطيب واليانسون وطعم العجوة والاستعداد للاتفاق المبكر مع فران الحارة وبث النخوة المبكرة في ارواحنا كي نستعد لسهرة الكعك عند الفران.

وعلى الجانب الاجرائي الذي يسبق العيد بيوم او يومين فلا بد من ان تقوم الأم بجرد الملابس الخاصة بنا ومحاولة تحديد الملابس والاحذية الجديدة التي على والدي شراؤها.

ضجة جميلة كان يُحدثها استعداد رمضان للرحيل في تلك الأيام. ضجة تجعلني ارقب ضجة وداع رمضان هذه الأيام وحين اقع في المقارنة أحزن.. فقط أحزن


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة  خليل قنديل   جريدة الدستور